حفريات جديدة في الحقب الغامضة من تاريخ "وادان"
وكالة كيفة للأنباء

تعد ودان من أهم المدن التاريخية لبلاد شنقيط ) =شنگيطي)، وتعتبر أول مدينة وسيطة جرى إعمارها في البلاد. وقد قامت ودان على أنقاض مجموعة من القرى المسوفية الصغيرة التي أسست بدورها في دائرة سكانية من قبائل بافور وحراطين إيزگارن وبقايا حواضر أغرمانية وسوننكية قديمة، توجد أطلال ثلاث منها ضمن محيط ودان القريب هي: ترقيبات وتامگونه وتفتله، بينما تقع تن لبه وفارني بأحوازها. وتتجلى أهمية ودان من موقعه بمفترق طرق القوافل الرابطة بين المغرب وبلادي التكرور والسودان، ومن كونه سوقا لملح مملحة الجل القريبة نسبيا من ودان. أما من الناحية الثقافية فقد مثل ودان مركز إشعاع علمي وديني قوي استمر عدة قرون . ودان: من التسمية إلى التاريخ اشتهرت ودان خلال عصريها الوسيط والحديث بالعلم والتمر، حتى نقل العلامة المؤرخ الوداني الطالب أحمد بن اطوير الجنة الحاجي في كتابه "رحلة المنى والمنة" أن معنى ودان واديان واد من العلم وواد من التمر. ومع أن هذا المعنى صحيح في نفسه فإن تسمية ودان ترتبط في الواقع بماض أسبق بكثير، فعندما قام الأمير عبيد الله بن الحبحاب سنة 116 للهجرة (734م) بتجييش الجيوش إلى منطقة السوس الأقصى، وعين على المغرب ابنه إسماعيل بن عبيد الله وجه هذا الأخير من المغرب الأقصى حملات متتالية قادها حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وابنه عبد الرحمن بن حبيب إلى صحراء الملثمين، «فأثخنت في مسوفة، وأصابت من السبي أمرا عظيما وظفرت بذهب كثير ». وكان في ما أصابت، حسب رواية ابن عبد الحكم (تـ257هـ/ 871م) «جارية أو جاريتان من جنس تسميه البربر أجان، ليس لكل واحدة منهن إلا ثدي واحد». ويؤكد البلاذري (تـ سنة 302هـ/ 892م) ذلك عند حديثه عن ظفر هذه الحملات بجاريتين من مسوفة «يسمون ترجان [أجان عند ابن عبد الحكم] ليس للمرأة منهن إلا ثدي واحد». وما ذكراه تصوير أسطوري لطريقة التحاف النساء الصنهاجيات في هذه البلاد في ذلك العصر، حيث تعرف هذه الطريقة التي كانت من جملة عوائد النساء في بلاد شنقيط عند البيضان باسم "التاكمه" (انظر الصورة)، وكيفيتها أن تقوم المرأة بلف كامل جسمها باللحاف تاركة أحد ثدييها بارزا ، إذ كان الثدي البارز يرمز عندهم إلى كون القرابات المتصلة في المجتمع الصنهاجي نسجت من خلال المرأة، وإلى كون التآصر والتناصر يتم عن طريق الأم التي تلعب دور الأب من الناحية النسبية في المجتمعات الصنهاجية الأمومية. أما قبيلة أجان (=أوجان) المسوفية التي ذكرت كتب التاريخ الوسيط فلم تحتفظ بها الذاكرة الشعبية كمجموعة نسبية إلا إذا كان اسم إيدوجان (=إيدو+ اجان: بمعنى أبناء أجان) -إحدى قبائل المدلش المعروفة ذكرها محمد اليدالي في حوادث شربُبه (الصغرى)- يمثل تكريرا أو إحياء لهذا الاسم، لكن كلمة أجان بقيت في مقابل ذلك حية في الذاكرة كاسم للمدينة المعروفة اليوم بودان، حيث إن دال ودان كانت في الأصل في لغة صنهاجة جيما معقودة ثم خففت في النطق الحساني إلى دال. يشير إلى ذلك قول العلامة الاخباري الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي في كتابه "الرسالة القلاوية": «ودان كلمة صنهاجية أصلها "أولان"»، فاللام الذي ذكر الشيخ سيدي محمد أنها تمثل أصل دال ودان، ترجع في صوتيات اللسان الصنهاجي إلى جيم معقودة مشوبة بالشين، إذ يتبادل هذان الحرفان فيما بين اللغة الصنهاجية واللغة العربية فتتحول مثلا كلمة الفقيه بالعربية إلى: أشفغ (=أجفغ) بالصنهاجية وهكذا. وقد ساق العلامة الأديب امحمد ابن أحمد يوره في كتابه في تاريخ الآبار عدة أمثلة على ذلك منها: "ترتلاس" التي قال عن أصلها إنه "ترتج أسن"، و"آگويليل" التي قال إن أصلها "أگوجج"، و"انويلوط" قال إن أصله "أنوجظ"، و"تنيافيل" قال إن أصله "تنيفأج"، و"آگلال" قال إن أصله "آگجج"، و"تنياشل" قال إن أصله "تنياشج". ومثل هذه الكلمات أولان التي أصلها أوجان (=ودان). ويذكر الشيخ سيدي محمد الكنتي في الرسالة القلاوية أن «معنى "أولان" (=ودان): ذو الملاحس أي الذي يأوي إليه الوحش من سباخ اليطرون»، هكذا في نسخة الرسالة القلاوية المتداولة، وأعتقد أن في العبارة تصحيفا من النساخ، والصواب أن يقال: «سباخ النطرون» فالنطرون هو الملح الحجري الذي كان ودان يمثل سوقا له، وكان يستخرج من سبخة الجل القريبة من هناك، أما اليطرون فمادة صيدلية لا معنى لها هنا. وبهذا يتضح أن معنى كلمة ودان: "أرض الملح"، وهو معنى متفق دلاليا مع الإطلاق الصنهاجي على أراضي الملح الحجري الأخرى في البلاد كأرض سباخ انتررت والخشيم (نواحي تگنت) ببلاد گدالة التي كانت تسمى بـ"آوليل"، فأصل كلمة آوليل "أوججان" (جمع كلمة "وجان" =ودان)، ومعناها أراضي الملح. أما قبيلة أجان المسوفية التي ذكر ابن عبد الحكم والبلاذري فيرجع اسمها إلى الدلالة ذاتها أي قبيلة "أرض الملح". ويعبر المؤرخ العلامة صالح بن عبد الوهاب في كتابه المفقود "قبائل صنهاجة" كما جاء في النتف التي نقلها منه المؤرخ الشيخ موسى كمرا في كتابه "المجموع النفيس" عن هذا الواقع مؤكدا أن ودان قرية مسوفية. ويدل كون الجاريتين من قبيلة "أرض الملح" المسوفية أن منطقة ودان (=أرض الملح) كانت من بين المناطق التي وصلت إليها حملات حبيب بن أبي عبيدة وابنه عبد الرحمن بن حبيب داخل صحراء الملثمين. وهذا أمر يؤكده حدثان تاريخيان مشهوران لدى المؤرخين أولهما حملة القائد المشتري بن الأسود أحد قواد حبيب بن أبي عبيدة الذي قال: «غزوت بلاد انبِيه [بلاد الأنباط= بلاد الملثمين] عشرين غزاة من السوس الأقصى، فرأيت النيل [نهر السينغال] بينه وبين البحر الأجاج كثيب من رمل يخرج النيل من تحته.. وبلاد انبِيه من السوس الأقصى على مسيرة سبعين ليلة في براري ومفاوز ». وثانيهما توغل الأمير عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة -الذي سيستقل بحكم إفريقية والمغرب سنة 127هـ/ 745م- في صحراء في بلاد الملثمين، وحفره لسلسلة من الآبار في الصحراء بين تامدلت وأودغست، أهم طريق للذهب رابط بين المغرب الأقصى والسودان في ذلك العهد، منها بئر آبير (شنقيط) المجاورة لودان. وتعود علاقة مسوفة بودان إلى مقدمها إلى المنطقة خلال القرن الخامس للميلاد ضمن النزحة الصنهاجية الكبرى التي تقاسمت فيما بينها السيطرة على مجال بلاد شنقيط ومناجم الملح، فكان لگدالة مجال آوليل، ولمسوفة مجال ودان، وللمتونة مجال أودغست، أما سكان المنطقة الأقدمون الذين هيمنت عليهم قبائل مسوفة في ودان ومنطقتها فكانوا خليطا من قبائل إيزگارن الوثنية القادمة إلى المنطقة قبل ذلك ببضع آلاف سنة من وادي درعة بالمغرب، وقبائل أغرمان المسيحية التي القادمة من غرمة بليبيا في أواخر القرن الميلادي الأول (بين 81 و96م) بانتداب من الرومان للسيطرة على طريق الذهب في بلاد شنقيط ومجموعات سوننكية مختلطة بها، وقبائل البافور اليهودية القادمة من الجريد الجزائري مطلع القرن الخامس للميلاد. كان إيزگارن يشتغلون بالزراعة، وكان أغرمان يحترفون القنص ويقومون بخفارة مسالك الذهب، وكان البافور يملكون الواحات ويربون الكلاب، ثم فرضت صنهاجة هبمنتها عليهم جميعا، وتمكنت مسوفة بفضل الجمل الذي أدخلته صنهاجة إلى الصحراء من السيطرة على استغلال سبخة الجل وعلى سوق الملح في ودان. وأفلحت حملات حبيب بن أبي عبيدة وابنه عبد الرحمن في الترويج للإسلام في المنطقة، لكنها لم تفلح في إدخاله إلى البيوت التي ظلت في معظمها متشبثة بالوثنية أو المسيحية أو اليهودية التي كانت تدين بها، لأن الحملات الإسلامية ما لبثت أن توقفت مع تراجع سلطان الفهريين الذين أدى الصراع الداخلي الذي نشب بينهم إلى تمزق كل منطقة المغرب, وشجع ذلك الخوارج الصفريين والأباضيين الذين بزغوا بالمنطقة على الترويج للمذهب الخارجي وإقامة دولتين مستقلتين لهم هما الدولة الصفرية بسجلماسة التي قامت سنة 140هـ (757م) والدولة الأباضية بتياهرت (=تاهرت) التي قامت سنة 160هـ (777م). وكان لتجار هاتين الدولتين الخارجيتين اللذين كانوا يمثلون أساس قوافل التجارة مع بلادي السودان والتكرور عبر بلاد شنقيط الفضل في نشر المذهب الخارجي لاسيما بين قبائل إيزگارن وأغرمان وبافور الذين قاموا سنة 160هـ (777م) ببناء شنقيط الأولى (آبير) بساحة البئر التي سبق لعبد الرحمن بن حبيب أن حفرها على طريق القوافل قبل هذا التاريخ بأربعين سنة. وجاء بناء آبير (شنقيط الأولى) في نفس السنة التي أصبحت فيها الدولة الرستمية بتياهرت (=تاهرت) دولة أباضية مستقرة ومستقلة، كما قاموا ببناء مدينة تجارية أخرى بناحية أطار على نفس الطريق أطلقوا عليها اسم تياهرت تيمنا باسم عاصمة الأباضيين، وهي التي جرى تفصيح نطقها لدى البيضان إلى اسم تيارت. واعتنقت قبائل گدالة ودولة التكرور المجاورة لها وبعض ممالك السودان الإسلام الأباضي الذي كان يروجه هؤلاء التجار الخوارج، أما مسوفة ولمتونة فظل أغلبهما على وثنيته حتى قيام الدولة الإدريسية في المغرب سنة 170هـ (786م)، فوفد إليها وفد من أشياخهم المقيمين بوادي درعة مبايعين، ومعلنين مشايعتهم لعلي بن أبي طالب منافرة لغرمائهم الزناتيين الذين اختاروا المذهب الأباضي انحيازا لعثمان بن عفان الذين تقول روايتهم إنه أطلق سراح أسراهم إبان الفتوحات الإسلامية الأولى ولما قامت الدولة العبيدية الشيعية سنة 297هـ/ 910م دخل اللمتونيون والمسوفيون في المذهب الشيعي أفواجا باستثناء فروعهما المتداخلة مع قبائل گدالة التي انحازت إلى المذهب الأباضي. واتسعت عمارة منطقة ودان بفضل تزايد التجارة بين ضفتي الصحراء الجنوبية والشمالية، ولم تزل آهلة بالتجمعات السكانية الأباضية واليهودية والمسيحية مع هيمنة بافورية ظاهرة، بينما ظل المسوفيون بمعزل قائمين على منجم الملح، حتى قيام الدولة المرابطية السنية التي سعت إلى القضاء على جميع النحل البدعية في الصحراء، فكانت ودان من ضمن المدن التي فتحها الأمير المرابطي أبو بكر بن عامر سنة 468هـ (1075م)، وشتت سكانها الأصليين فكان ذلك في صالح المزيد من سيطرة مسوفة على سوق الملح وأرضه "ودان". ودان: التأسيس الأول أدى تصاعد الثورة الموحدية التي تسببت في سقوط الدولة المرابطية بالمغرب إلى نزوح جماعي للمرابطين وأشياعهم إلى بلاد شنقيط، وكان من بين النازحين على الحاج عثمان بن محمد اللبان الخزرجي الأنصاري وزميله الشريف عبد المؤمن بن صالح اللذين كانا يقيمان بأغمات، وكانا من تلامذة القاضي عياض الذي كان أبرز الفقهاء المناصرين للمرابطين ضد الموحدين فقدما إلى آدرار، ونزلا بنواحي وادان سنة 536هـ (1142م) وقيل سنة 542هـ/ 1147م، وهذا التاريخ الأخير هو مبتدأ الحملة الموحدية الثانية ضد المرابطين التي أدت إلى سقوط مراكش، بينما يمثل التاريخ الأول أوج الحملة الموحدية الأولى التي أفقدت الدولة المرابطية السيطرة على الغرب الجزائري والجنوب الشرق المغربي، والتاريخان صحيحان حيث استقبل ودان نزحتين متفاوتتين من المرابطين الفارين من البطش الموحدي إحداهما في التاريخ الأول والأخرى في التاريخ الثاني. وبينما واصل الشريف عبد المؤمن طريقه لتأسيس مدينة تيشيت، تم بناء ودان حينها كما روى العلامة المؤرخ المختار بن ابلول الحاجي على يد الحاج عثمان الأنصاري ومعه الحاج يعقوب القرشي اللذين قدما على قبيلتي تفرله وتامگونه، وهم أهل ترقبيات وأهل لگصير الخالي [حول ودان]، ثم قدم الحاج علي اللمتوني حفيد الأمير المرابطي يحيى بن عامر بن تلاگاگين (جد لوتيدات)، وبعد سبع سنوات قدم الحاج عبد الرحمن الصايم، وهو ابن عم الحاج عثمان الأنصاري، فبنوا حاضرة ودان إعمارا وتعليما وتجارة. وتتحدث الروايات التاريخية التي اطلعنا عليها عن حاج خامس شارك هؤلاء الحجاج في بناء ودان لكنه لم يعقب يدعى الحاج يبني. وحسب رواية شفهية جمعها المؤرخ المختار بن حامد فإن هذا الحاج الذي لم يعقب كان على علاقة ما بقبيلة تنمز. وتكمن الأهمية التاريخية لهذا الحاج الخامس في تبين أن كونفدرالية إيدوالحاج كانت من الكونفدراليات القبلية المخمسة (تشمشه) التي قامت في البلاد بفضل تحالف خمس شخصيات دينية كبيرة، على غرار ما حدث أثناء بناء مدينة شنقيط، أو مع قبيلة إيجيجبه (الأوائل)، أو قبيلة تشمشه وغيرها، ويمثل هذا التحالف الشمشوي (المخمس) طقسا صنهاجيا قديما جرت أسلمته، وانتشر في المنطقة. وتقول الرواية الشفهية إن ثلاثة من هؤلاء الحجاج هم الحاج عثمان والحاج يعقوب والحاج علي تخيروا بين ثلاث مناطق هي أطار وآبير (شنقيط) وودان عن طريق وضع ألواح بكل موقع من هذه المواقع قبل ذهابهم إلى الحج، وبعد عودتهم وجدوا أن اللوح الذي خلفوه بأطار قد جرفته السيول، واللوح الذي تركوه بآبير قد دفنته الرمال، بينما بقي اللوح الذي أودعوه بودان سليما فقرروا تعمير ودان، وقاموا بتأسيس مسجده يوم عرفة. ولا يخفى البعد الأسطوري الذي يحيط بهذه الرواية لكنه يظهر أن الحجاج فضلوا ودان عن وعي على حاضرتي أطار وآبير، ويمكننا أن نخمن أنه فضلا عن أهمية ودان كخط تجاري مزدوج يمر بآبير وأطار باتجاه التكرور، وبتيشيت وولاته باتجاه السودان فإن هذه الشخصيات العلمية المرابطية ستجد بالتأكيد في قبائل مسوفة السنية المقيمة بودان من الاحتضان والرعاية ما لن تجده في آبير وأطار اللتين كانتا ما تزالان في ذلك العهد حاضرتين بافوريتين أباضيتين خالصتين. وهذا ما حصل بالفعل فقد اندرجت القبائل المسوفية التي كانت تقيم بنواحي ودان في الكونفدرالية القبلية لهؤلاء الحجاج. ودان: التأسيس الثاني وبعد تسعين سنة من بناء هؤلاء الحجاج لودان نزحت إلى آدرار طائفة مرابطية جديدة تدعى الطائفة الهوگارية في إطار بقية عسكر الأمير المرابطي يحيى ابن غانية المسوفي الذي انتصر على الجيش الموحدي انتصارا كبيرا سنة 605هـ/ 08- 1209م في تاهرت وحولها إلى أطلال فلم تعمر بعده أبدا، لكنه انهزم بعد ذلك في معركة جبل نفوسة هزيمة قاسية، فلجأ إلى الصحراء حيث قضى ثلاث سنوات. وفي سنة 609هـ/ 1212م اتجه إلى شرق ليبيا وتمكن من تجييش عدد من قبائل بني سليم وبني هلال . غير أن الموحدين تمكنوا من دحره وطرده، فانتقل إلى شرق سجلماسة مواصلا مقاومته ضدهم. وفي سنة 624هـ/ 1227م ثار إبراهيم بن إسماعيل بن علان اللمتوني بنواحي توات «وأراد أن يجدد ملك المرابطين بقاصية الشرق »، وقبض على عامل تلمسان الموحدي السيد أبي سعيد واستدعى ابن غانية إليه، وهم بالاحتيال على جابر بن يوسف شيخ بني عبد الواد للفتك به، ففطن له جابر فتظاهر له بالموافقة على ما يريد حتى تمكن منه فقتله، ورد تلمسان إلى طاعة المأمون الموحدي، وتألب بنو عبد الواد والموحدون بسبب ذلك ضد بقية المرابطين المنبثين في النواحي، ومن جملتهم ابن غانية، والمرابطون الموجودون بتوات فلاذ المرابطون بأعماق الصحراء جنوبا، فأما الطائفة التندغية ومحلة أنجمار التي انضمت إليها وقسم من محلة تجكانت فأوغلت نحو القفر الشمالي المسامت لبلاد السودان شرقي الساقية الحمراء فنزلت هناك، وبقيت الطائفة الهوگارية التي تحالفت مع ابن غانية المسوفي، ومعها محلة تجكانت التي انضمت إليها يقارعون الموحدين ويغيرون من جنوب سجلماسة على من قدروا عليه من أعدائهم، حتى طال عليهم الأمد ويئسوا من أمرهم، ومات ابن غانية سنة 631هـ/ 1233م (وقيل 633هـ/ 1235م )، وضاقت بهم السبل، وأرهقتهم الصحراء، وأزعجهم الهلاليون، فأوغلوا داخل بلاد شنقيط. واتجهت محلات الطائفة الهوگارية في بقية عسكر ابن غانية باتجاه آدرار، وكانت تتألف من خليط من الهوگاريين والمسوفيين والأتراك، والأندلسيين، والعرب الهلاليين، والأنصار، والأشراف، وسائر الصنهاجيين، وستنبثق عنها مجموعات من لمتونة وبارتيل وإيديبسات وتاشدبيت والتوابير والمحافيظ وأولاد سالم المعقليين وإيديشلي وبعض فروع تشمشه. وربما كان بعض الركاكنة والأگواط (بخواگه) من المرابطين القادمين من الأندلس مع ابن غانية، فقد تحدث عن هاتين المجموعتين ابن القوطية في تاريخ الأندلس، فنزلوا على إيدو الحاج بودان. ولا تحتفظ المصادر المكتوبة المتعلقة بالعصر الوسيط بشيء عن ابن غانية وأولاده الذين تدل الآثار الشفهية على أنهم كانوا في آدرار، مكتفية بالإشارة إلى محلة مرابطية قديمة قدمت إلى آدرار ، أما الرواية الشفهية فتقتصر على ذكر أولاد غانية كإحدى المجموعات البشرية المحلية المندرجة في إحدى قبائل آدرار القديمة دون أي ربط لهذه المجموعة بابن غانية أو بالمحلة المشار إليها، ويذكر المختار بن حامدٌ أن البيضان يطلقون على أرض قياك (كانياگا في المراجع الفرنسية) في مالي الحالية على الحدود مع بلاد شنقيط اسم أرض أولاد غانية دون أن يحدد أي سبب لهذه التسمية . ولعلهم المقصودون بأمراء المرابطين الذين ذكر المستكشف ليون آفريكان الذي زار الصحراء بين 926هـ/ 932هـ- 1520م/ 1525م أنهم كانوا في أطراف بلاد السودان يدفعون ضرائب ثقيلة لملك السونگاي. وبنى عسكر ابن غانية بودان قلعة حصينة، تروي الرواية أنها كانت على شكل دائرة تمتد من أعلى الجبل غربا لتنتهي عند سفحه شرقا، وبلغ سمك حائط السور حوالي متر ونصف بينما بلغ ارتفاعه أربعة أمتار في الأماكن التي لا أبواب بها وضعف ذلك في المواضع التي فيها أبواب، وكان لسور هذه القلعة أربعة أبواب الباب الشرقي (ويدعى باب المبروك) وهو أضخمها، وكان مخصصا للقوافل القادمة من الشرق ومن الجنوب الشرقي، والباب الغربي (ويدعى باب الگصبة)، وهو مخصص للقوافل القادمة من التكرور أو من الشاطئ، أما البابان الشمالي والجنوبي فكانا مخصصين لسكان القلعة ومواشيهم. وكانت أبواب القلعة تحت حراسة دائمة من قبل حرس أشداء مسلحين لهم زي خاص. ولكل باب طبل يقرع قرعا خاصا عند الافتتاح وعند الإغلاق. وحمت هذه القلعة ودان طيلة قرون من أي غزو خارجي. وكان سور هذه القلعة موجودا إبان مقدم البرتغاليين في منتصف القرن التاسع للهجرة (15م)، حيث ذكره المستكشف البرتغالي آزورارا. ودان: التأسيس الثالث وعندما ازدهرت الامبراطورية المالية وتوسعت في عهد سلطانها القوي المنسا موسى (712هـ/ 738هـ- 1312م/ 1337م) وامتد نفوذها إلى آدرار ازدهرت سوق الملح بودان، واتسعت المدينة، مما استوجب إعادة تأسيس مسجدها الجامع أو توسيعه، وهو ما حدث يوم عرفة من سنة 730هـ (1329م). وينفرد كتاب مطرب العباد بتقديم هذا التاريخ على أنه تاريخ لعمارة المسجد وودان معا. ورغم انفراده بهذا التاريخ فقد جاءت الدراسات الأركيولوجية لتؤكده، حيث يقدم الأركيولوجي سيرج روبير نفس الفترة على أنها تمثل تاريخ بناء هذا المسجد. ومع أن هذا المسجد العتيق قد اندثر إلا أن ركامه ظل يحتفظ بقيمة تاريخية كبيرة عبر عنها ريمون موني عند زيارته لودان سنة 1953م، حيث أدرك منه أجزاء مهمة ما تزال قائمة، قبل أن يتم ترميمه سنة 2002م، وتعود هذه القيمة التاريخية إلى أن بقايا مسجد ودان تمثل أقدم ما وصل إلينا من آثار العمارة الدينية بالمدن التاريخية في آدرار. وقد استأثر هذا المسجد على مدى عدة قرون بصفة المسجد الجامع حتى ثمانينات القرن الثاني عشر للهجرة (18م) حيث نشب نزاع داخلي بشأن تولي خطة الإمامة، وكان من نتائج هذا النزاع تأسيس مسجد ثان هو الذي ما زال قائما إلى اليوم، بينما تهاوى المسجد العتيق حسب روايات جمعها ريمون موني خلال القرن الثالث عشر الهجري (19م). وبعد عقود من النفوذ المالي على ودان توفي الامبراطور المالي المنسا سليمان 761هـ/ 1360م، فاضطربت أحوال الامبراطورية المالية بوفاته، وتقلص نفوذها على بلاد شنقيط، ولم تزل في ترد حتى أسس السونگاي امبراطوريتهم على أنقاضها. وفتح تردي هذه الامبراطورية الباب أمام محلات طائفتي صنهاجة القويتين الطائفة التندغية والطائفة الهوگارية للانتشار في أنحاء بلاد شنقيط بحثا عن المغارم والإتاوات، كما أغرى هذا الوضع بني حسان الذين ألجأتهم قبيلة هنتاتة إلى الصحراء، فأخذوا في مشاركة قبائل صنهاجة في مجالاتها الشمالية، فكانت لهم عام 762هـ/ 1361م في إگيدي (الشمالي) مزاحمة لقبائل ابدوكل وسائر لمتونة على خفارة القوافل المارة بهم، وربما أغاروا على القوافل التي لا تلجأ إلى خفارتهم، مما أوهن طرق القوافل الغربية المتجهة من السوس إلى السودان عبر آدرار وولاتة، لصالح الطريق المار بتوات عبر تمنطيت، كما كانت لهم مزاحمة لقبيلة تندغه وقبائل گدالة الساحلية بالساقية الحمراء ووادي الذهب، حيث كانت حروب الرحامنة والشعانبة مع الگداليين سببا في تلاشي جل گدالة من البلاد. وأقرت لمتونة بني حسان على دورهم الجديد في المنطقة بعدما أصبحوا أصهارا لهم، حينما تزوج حمه البربوشي بابدوكلية هي أم ابنه عمران، وتزوج عثمان بن مغفر بصنهاجية تدعى مروشه بنت الاحمر هي أم أولاد الزناگية. ومرت تسعون سنة (من 761هـ إلى 850هـ/ 1360م إلى 1446م) هيمنت خلالها محلات الطائفتين الصنهاجيتين التندغية والهوگارية على جل قبائل ومجموعات بلاد شنقيط البربرية والسودانية التي أصبح للصنهاجيين عليها مغارم سنوية معلومة، وآل النفوذ في ودان خلال هذه الفترة إلى قبيلة ابدوكل الصنهاجية. وأذكت التجارة الأطلسية الأوروبية الجديدة التي بدأت سنة 850هـ/ 1446م بمنتوجاتها وتحفها المغرية لبدو الصحراء المنافسة بين الطائفتين التندغية والهوگارية للسيطرة على ودان الذي كان أهم سوق للملح في المنطقة وأصبح أهم مركز استقطاب للتجارة الأطلسية، وامتدت إلى ودان أعناق بني حسان الطامحين إلى الاستفادة من خفارة هذا الخط التجاري الجديد. وحاولت ابدوكل أقوى محلات الطائفة التندغية أن تهيمن على خفارة هذه التجارة فأثار ذلك شرا بينها وبين بعض محلات الطائفة الهوگارية، فحالفت هذه الأخيرة قبائل بني حسان الوافدة، ونشبت جراء ذلك حرب شاملة سنة 850هـ/ 1446م بين ابدوكل وسائر صنهاجة من جهة وبني حسان يعضدهم الشيخ سيدي محمد الكنتي وأغلب تجكانت من جهة ثانية، وأفضت هذه الحرب التي عرفت بحرب شرببه (الكبرى) بعد خمسة وثلاثين سنة من الاقتتال والكر والفر إلى انتصار بني حسان على صنهاجة الذين قضى حاكم السونگاي سني علي على أي أمل لهم في كسب الحرب سنة 885هـ/ 1480م. ودان: مركز جذب للقوى الخارجية الأوروبية والمالية والمغربية في سنة 1443م (847هـ) سلح الأمير البرتغالي هانري الملاح سفينة بحرية عين عليها نونو اتريشتاوو وأمره بالتوغل أكثر لعله يكتشف منطقة جديدة، فسار حتى وصل إلى الرأس الأبيض (قرب انواذيبو)، ثم تجاوزه ب25 فرسخا (100كلم) فوصل إلى منطقة آرگين، وتمكن من أسر عشر بيضانيا، واكتشف جزيرة ثانية بالمنطقة ورجع، فكانت هذه ثالث دفعة من الأسرى تجلب من بلاد شنقيط إلى البرتغال وتباع هناك كعبيد. وعم الفرح أرجاء البرتغال التي اعتبرت هانري الملاح بمثابة إسكندر جديد، وأصدر بابا الفاتكان أمرا يكرم هانري الملاح الذي كان يأمر بتعليم الدين المسيحي للعبيد (البيضان) الجدد. وأصدر هانري الملاح موافقته على تشكيل أسطول جديد قوي من ست سفن يقوده القبطان لانزاروت ومعه خمسة قباطنة آخرون: جيل إيانش أول من تجاوز رأس بوجدور، واشتيفاوو ألفونسو، وريكاردو آلفيرو، وجواوو اديياش، وجواوو برناردش، فسار هذا الأسطول حتى وصل إلى مشارف بلاد شنقيط، فخاطبهم لانزاروت قائلا: "إننا جئنا لخدمة الرب وخدمة سيدنا لينفانت [هانري الملاح]، وسيكون بمثابة فضيحة ألا تعود كل هذه السفن محملة بالبيضان، لقد علم هانري من خلال البيضان الذين جلبهم إليه نونو اتريشتاوو أنه توجد أمامنا جزيرة يوجد فيها مخيم يضم نحو مائتي شخص، وأقترح أن ننزل خمسة زوارق نركب على متن كل زورق ستة أشخاص ليستكشفوا لنا هذه الجزيرة". وسارت الزوارق طيلة الليل ولم تصل إلى الجزيرة المذكورة إلا مع حلول الفجر، وشن البرتغاليون عليها هجومهم المباغت فلاذ سكان المخيم الذين ذعروا بالفرار، وقاوم بعضهم، بينما رمى بعضهم بنفسه في البحر، وكانت نتيجة المعركة أسر 165 بيضانيا ما بين رجل وامرأة وطفل . ثم هاجم البرتغاليون عدة مخيمات أخرى قريبة وأسروا من وجدوا فيها، وعاد الأسطول النصراني إلى البرتغال ومعه نحو 230 أسيرا بيضانيا وصل نصيب الأمير هانري الملاح منهم إلى 46 شخصا، بينما باع القباطنة بقية البيضان في أسواق العبيد بالبرتغال. وأعرب هانري الملاح عن سعادته بهذه الحملة ورغبته في أن يرى هؤلاء البيضان القادمين من أرض بعيدة لا تؤمن بالمسيح ينسلخون من الإسلام ويعتنقون النصرانية. وتتالت الحملات البرتغالية على بلاد البيضان، ثم أرسل هانري الملاح في سنة 1446م (850هـ) مركبين يقود الأول آنتاوو گونسالفش ويقود الثاني اديوگو ألفونسو، ومعهما مركب ثالث أرسله الأمير دوم بيدرو الوصي على العرش وعلى متنه گوم بير رئيس باخرة الملك، وكانت مهمتهم هذه المرة تتلخص في محاولة التفاهم مع البيضان وعقد سلام معهم، من أجل إرساء أساس للتبادل التجاري مع المنطقة عبر مدينة ودان، وعندما وصلوا إلى آرگين تركوا برتغاليا يدعى جواوو فيرناندس، كان يعرف العربية والبربرية، وكان راغبا في البقاء مع البيضان ليجمع معلومات عن ودان والمنطقة يتحف بها هانري الملاح الذي كان يمنح مكافآت كبيرة لكل من ينجح في مثل هذه المهمات، وذهب البرتغاليون في مقابله بعجوز بيضاني عبر عن استعداده للذهاب إلى البرتغال، فاستقبله هانري وأهدى له جملة من الهدايا، وسرحه عائدا إلى بلاد شنقيط. وعاد آنتاوو گونسالفش واثنان من رفاقه بعد سبعة أشهر إلى الشواطئ الشنقيطية في ثلاث سفن فاستعادوا فرناندس. وتاجر آنتاوو گونسالفش خلال هذه الرحلة مع البيضان حيث اشترى أول دفعة من العبيد من زعيم محارب من البيضان . وأسرت هذه السفينة خلال عودتها بالرأس الأبيض (ناحية انواذيبو) ستين بيضانيا ما بين رجل وامرأة وطفل. وانتهج البرتغاليون نهائيا في سنة 1448/ 852هـ سياسة مسالمة البيضان وفتح خطوط تجارية معهم بعدما كادت تخلو منهم الشواطئ والمناطق المحاذية لها، وازدادت شراستهم في الدفاع عن أنفسهم للحيلولة دون اعتقالهم ونقلهم كعبيد إلى البرتغال. وتواصلت المحاولات البرتغالية لإرساء تبادل تجاري منتظم مع ودان عبر آرگين طيلة سنوات عديدة، ثم تمكنوا في النهاية من تنظيم تجارة مسالمة مع السكان في حدود سنة 1460م/ 864هـ، قادتهم إلى بناء ميناء آرگين الذي سيعرف بأگادير دوم سنة 1494م/ 899-900هـ، وتأسيس مركز تجاري بضاحية ودان (بآگويدير على بعد 21كم من ودان). وقد زودنا مستكشفون برتغاليون وأوروبيون زاروا المنطقة، ووثائق برتغالية نادرة بمعلومات مهمة تتحدث عن بعض مظاهر الحياة في ودان إبان هذه الفترة، كالمستكشف البرتغالي فالانتيه فرناندس (913هـ/ 914هـ/ 1506م/ 1507م) الذي تحدث عن ودان بقوله: «ودان التي يبلغ سكانها 400 نسمة من أهم مدن الجبل، ولها مكانتها التاريخية كمحطة للقوافل التي تنقل الملح من كدية الجل إلى تيشيت التي تبعد عن ودان مسيرة سبعة أيام، ويباع فيها الملح بضعف ثمنه في ودان». والمستكشف البرتغالي باتشيكو بيريرا (912هـ/ 914هـ- 1506م/ 1508م) الذي كتب عن ودان فقال: «توجد مدينة تسمى أودم [ودان] آهلة بالأزنيك ذوي اللون الأسمر، وتأوي هذه المدينة 300 أسرة تقريبا، وسكانها مسلمون يتبعون الطائفة المحمدية ويدعون آزارزيگي [انيرزيگ]. وفي مدينة أودم [ودان] هذه تنشط تجارة الذهب المجلوب من غينيا عن طريق البر...، وسبق أن كان للملك الراحل دوم جوهام الثاني عامل من رجاله يسمى رودريگو رينل، واستقبل هذا الأخير من طرف هؤلاء الأزنيك السيئين استقبالا سيئا أجبره على العودة إلى البرتغال. ولم يتمكن من السفر إلا بعد عناء شديد، ومخاطرة بشخصه وتكاليف باهظة». كما وصفها البرتغالي كاداموستو (913هـ/ 1507م) قائلا: «لا بد أيضا أن تعلموا بوجود مكان يسمى هودن [ودان] خلف الرأس الأبيض، داخل الأراضى على مسافة ستة أيام للجمال تقريبا. هذا المكان غير محصن لكنه وكر للعرب، ومحطة تؤمها القوافل القادمة من تومبوتو [تنبكتو] وغيرها من أرض الزنوج للوصول إلى هذا الطرف من بلاد البربر...، إنهم أناس سمر، ويرتدون نوعا من العباءات البيضاء محفوفة بالأحمر، ونساؤهم يلبسن نفس اللباس دون قمصان، ويضع الرجال قطعة قماش على طريقة الموريسكيين، وهم دائما حفاة، وفي هذه المناطق الرملية يوجد الكثير من السباع والفهود والنعام». وكتب عنها الرحالة ليون آفريكان (حسن الوزان) الذي زار المنطقة بين 926هـ/ 932هـ- 1520م/ 1525م: «تقطن الأوداية [الودايا] الصحاري الواقعة بين ودان وولاته ويبسطون نفوذهم على السودانيين، ولا يكاد يحصى عددهم ويقدر المقاتلون منهم بسبعين ألف رجل لكن ليس لهم إلا عدد قليل من الخيل.. .. وودان قرية في صحراء نوميديا المتاخمة لليبيا [يقصد صحراء بلاد شنقيط]، يسكنها قوم خشنون فقراء، لا ينبت فيها غير قليل من التمر، ولا موارد للسكان الذين يعيشون فيها شبه عراة، ولا قدرة لهم على مغادرة قريتهم بسبب عداوة جيرانهم، وهم يتعاطون الصيد بواسطة مصايد، ويقنصون وحوش هذه المناطق كاللمت والنعام، وليس عندهم غير لحم هذه الحيوانات. وهم يملكون بعض الماعز التي يحتفظون بها من أجل لبنها، ولون بشرتهم أقرب إلى السواد منه إلى البياض». وبعد هذا التاريخ بعقود كتب الرحالة الإسباني مارمول كربخال سنة 979هـ/ 1571م يصف هذه ودان التي كان سورها في عهده قد تلاشى نهائيا: «ودان بلدة كبيرة ليس لها أسوار، تقع على حدود صنهاجة، سكانها فقراء لكنهم يتميزون بخشونتهم وعنفهم، لا يملكون ما يقتاتون به سوى قليل من التمر، يكادون يخرجون عراة من جراء الفاقة، ولا يبرحون بيوتهم إلا قليلا، نظرا لما بينهم وبين جيرانهم من عداوة وبغضاء، فيخشون أن يتعرضوا لبطشهم، وهم يتدربون على عمليات الصيد فيقنصون النعامة واللمط فيأكلون لحومهما، ويتعاطون تربية الماعز لأنهم يتغذون بألبانها، لونهم إلى السواد أقرب منه إلى السمرة، ولا محيد لهم عن الولاء لأعراب الأوداية [الودايا] المهيمنين على الصحراء، التي تشمل البلدة وتمتد إلى تخوم مملكة ولاتة، التي يخضع أميرها الزنجي نفسه إلى نفوذ هؤلاء الأعراب، فيدفع لهم إتاوة سنوية.. ويتوفر بعض سكان ودان على خيول قليلة تشرب لبن الإبل بدل الماء، وتتبع النوق كلما أحست بالعطش». وكشفت وثائق التجارة البرتغالية عن حضور قوي خلال القرن العاشر للهجرة (16م) لقبيلة انيرزيگ التي حلت محل ابدوكل في النفوذ على ودان، رغم بقاء مجموعة ابدوكلية تبنت التزاويت بالمدينة حتى سنة 1223هـ (1808م) تاريخ هجرتها عن ودان. فتحدثت وثيقة برتغالية بتاريخ 928هـ/ 1522م عن قيام أمير انيرزيگ، وكان يدعى بلاله (بتفخيم اللامين) باعتقال قراصنة إسبان كانوا يغيرون على الشواطئ، ويختطفون ما استطاعوا اختطافه من البيضان لبيعه كعبيد في أوروبا، مضيفة أن البرتغاليين الذين كانوا يتجارون مع البيضان حاولوا أن يخلصوا الأسرى الإسبان الذين اعتقلوا من قبل انيرزيگ بعد معركة دامية سقط فيها عدد من القتلى دون جدوى، ولم يلتفت بلاله (بتفخيم اللامين) إلى الإغراءات التي عرض عليه البرتغاليون كي يطلق سراحهم، حتى أغار غزو يقوده رجل يدعى گبورية على بلاله وخلص الأسرى. وفي سنوات 956هـ-960هـ (1549- 1552م) تحدثت وثائق تجارية برتغالية عن معاناة البيضان في السواحل المقابلة لودان جراء اختطاف أبنائهم ونسائهم من طرف القراصنة الإسبان، وذكرت إحدى الوثائق أن شيخ انيرزيگ وعد البرتغاليين سنة 1549م (956هـ) بأن يتحمل لهم عن الودايا ألف بقرة إذا حارب معهم ملك البرتغال القراصنة الإسبان. وفي سنة 958هـ (1551م) ذكرت وثيقة برتغالية أخرى أن اسم دوم المذكور في أگادير دوم يعود إلى ملك انيرزيگ في ذلك العهد، وأن هذا الملك حمى مجموعة من اليهود التجار قدموا من أگادير بالمغرب عبر البر ببضائع وأقمشة أجود من البضائع والأقمشة البرتغالية فباعوها بقلعة أگادير دوم . وأضافت أن انيرزيگ كانوا يسيرون في عهده القوافل من أگادير دوم (ميناء آرگين) باتجاه نهر السينغال أقصى بلاد الگبلة، لا يستطيع أحد أن يتعرض لهم. ولم يمثل ودان نقطة جذب للأوروبيين وحدهم، بل للماليين والمغاربة كذلك فقد مد إليها من الجنوب الامبراطور المالي المنسا موسى (712هـ/ 738هـ- 1312م/ 1337م) نفوذه، وعندما تهاوت الامبراطورية المالية اشرأبت إليها أعناق السونگاي، لكن تأثيرهم على ودان ظل محصورا على قوافل الملح القادمة من سبخة الجل. وحسب معلومات جمعها الجزائري إسماعيل حماد (الذي ترجم ونشر نصوصا وأبحاثا تاريخية صحراوية لصالح الإدارة الاستعمارية الفرنسية) فإن حاكم مالي سني علي الذي احتل ولاته سنة 885هـ (1480م) هو الذي سمح لملك البرتغال بإقامة مركز تجاري بودان، لكن هذه المعلومات لا تصمد أمام معطيات البحث التاريخي، كما تفطن لذلك الباحث البرتغالي المعاصر افرانسيسكو افرير المختص في دراسة التواجد الأوروبي ببلاد البيضان مؤكدا أنه لم يجد ما يدعمها. وهذا ما نعتقده نحن أيضا، فالمصادر التاريخية الوسيطة التي تتحدث عن سني علي تذكر أن نفوذه لم يتجاوز تنبكتو غربا ولم يصل إلى منطقة ولاته التي هرب إليها العلماء الذين قام سني علي بتشريدهم من تنبكتو ونواحيها، فأحرى ودان، كما أن محور التجارة في عهد سني علي كان قد تحول بسبب ضغط عرب المعقل على المنطقة عن مسلك ودان- ولاته باتجاه الشرق كما نقل لنا الرحالة الإسباني مارمول الذي قال: «وفي عهد الملك سني علي تحول محور المعاملات التجارية إلى گاوه وتنبكتو فأصبحت مملكة ولاته أكثر فقرا مما كانت عليه» . أما من الشمال فقد وجه العاهل الثاني في الدولة السعدية الملك أحمد الأعرج (923هـ/ 946هـ- 1517م/ 1539م) حملة عسكرية إلى اصحراء، ولكن ظروفا حالت دون متابعتها سيرها، فاكتفى السلطان بإرسال خطاب إلى ملك السونگاي الأسكيا إسحاق الأول يطلب منه فيها رفع اليد عن ملح الصحراء لكونه يخص مملكته. وحين تولى السلطان السعدي الشريف محمد الملك خاطب الأسكيا إسحاق الأول في نفس الموضوع عام 951هـ/ 1544م، لكن إسحاق لم يكتف بالرد بالتهديد، بل وجه ألفين من التوارگ إلى وادي درعة فأغاروا على سوق عامرة هناك، ونهبوا ما وجدوه في طريقهم. وجاء رد السلطان السعدي بعد ثلاثة عشر عاما بتوجيه حملة من ألفي رجل احتلت مدينة ودان بآدرار ومملحة الجل التي من حولها، وسار بنفسه حتى وصل إلى ودان فاستولى عليها ومهد نواحيها، وواصل منها إلى تيشيت فاستولى عليها بدورها. وقد نقل لنا الرحالة الإسباني مارمول الذي رافق الملك المغربي الشريف محمد السعدي إلى ودان تواجد ملك المغرب في هذه المدينة بقوله: «وقد كنا في هذه البلدة [ودان] مع الشريف محمد ملك سوس الذي كان يتأهب لشن هجوم مع الأعراب على الزنوج وغيرهم من أقوام الصحراء، وفي تلك الأثناء علمنا أن الملك البرتغالي خوان الثاني تعاقد مع حاكم البلدة ليشتركا في عملية التجارة بمدينة أرگوين [آرگين] الموجودة غربا على مسافة ستين فرسخا (نحو 332كلم) من ودان .. ويقطن الأوداية في الصحاري بين ودان وولاته، وهم سادة ودان، ولحد الآن فإن ملك ولاته يؤدي لهم [الإتاوة]. وكان الرحامنة يعيشون في صحراء أقا ولهم أراضي كثيرة، ويأتون في الشتاء إلى تيشيت، وكان عددهم قديما يفوق عشرة آلاف محارب من بينهم سبعمائة فارس، لكن الشريف [محمد السعدي] الذي ساعدوه في الاستيلاء على تيشيت ونواحيها كافأهم بنقلهم مع كل من كانوا معهم وأسكنهم إقليم تامسنا [بين مراكش وسلا] بمملكة فاس، حيث هلكوا جميعا في وقعة ضد أبي حسون الوطاسي.. ». وفي سنة 992هـ/ 1584م وجه الملك المغربي المنصور السعدي حملتين عسكريتين نحو ودان وغيرها بلاد شنقيط سنة 992هـ (1584م) الأولى مراكشية وتتألف من العروسيين، وبعض التكنيين والدميسيين (أولاد بسباع)، ويقودها عبد المولى بن عيسى عامل تاكاوصت ووادي نول، والثانية يقودها محمد بن سالم رئيس الشرطة الخليفية بفاس، وتتكون أساسا من الأندلسيين والشراگة، وهم عرب بادية تلمسان، فكانت هذه الحملة الأخيرة فشلت، فقد تاه بعض مجموعاتها، وداهمها العطش، بينما عادت بقيتها إلى مراكش، أو تفرقت في الأنحاء، وكانت سببا في انتشار محلات العروسيين المشهورة بجبايتها المغارم في مناطق مختلفة من بلاد شنقيط فترة من الزمن، وفي توطن بعض المجموعات التكنية، والسباعية المبكر بأرض الگبلة. أما الحملة المراكشية فدخلت ودان دون أن تلقى حربا، وأذعن لها السكان وواصلت طريقها عبر الصحاري إلى تيگماطين قرب نهر السينغال التي كان رئيسها يومئذ الشريف إبراهيم فال بن ساعيد بن رضوان فال جد فالات گنار. وفي هذه الفترة التي تميزت بسيطرة تامة لبني حسان على المجال الشنقيطي تحولت مملحة الجل إلى النفوذ الكنتي في ظروف لا يعرف عنها سوى أن السعديين هم من أشرف على تمكين كنته من السيطرة على هذه المملحة. وفيها أيضا أخذت سمعة ودان كمدينة إشعاع معرفي وثقافي متميزة تترسخ طيلة القرون الثلاثة الأخيرة التي سبقت مقدم الاستعمار الفرنسي (11 و12 و13هـ/ 17 و18 و19م) ، مسهمة بذلك إسهاما جليا في جعل بلاد شنقيط مركز علوم إسلامية غزيرة، وثقافة عربية واسعة، أثمرها تراكم قرون عديدة من انتشار العلم في هذه البلاد. تأثير ودان الثقافي والاجتماعي في بلاد شنقيط: مع تأسيس ودان سنة 536هـ/ 1142م انتشرت إلى الشرق من مناطق المدلش غرب وجنوب آدرار قبائل گنار، وكثرت عماراتهم وسواقيهم وزروعهم، وتعددت قصورهم على طول طرق القوافل المتجهة من تيرس إلى بلاد التكرور، وأصبحت محطة تن إبراهيم (نسبة إلى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن شمس الدين بن يحيى الگلگمي الإدريسي) التجارية التي يقال إن بئرها حفرت حوالي 536هـ/ 1142م عاصمة منطقة أهل گنار الدينية والسياسية والتجارية قبل تأسيسهم لتيگماطين ، وكانت تقع على طريق القوافل بتيجريت غرب آدرار، حيث تروي الرواية أن جد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن شمس الدين بن يحيى الگلگمي قدم هو أو أبوه شمس الدين الملقب بالشريف بوبزول من ودان التي وصل إليها من الشمال، فترك هذا الشريف ودان إلى تيجريت التي كانت تمثل في ذلك الوقت إحدى محطات إعادة توزيع ملح الجل، ويسكنها أهل گنار فتزوج ببنت سيرين مصر (سان چيري چوب) فكانت لذريته رئاسة مشهورة بين أهل گنار في تيجريت. وإلى إبراهيم هذا تنتسب أفخاذ مختلفة من قبائل أورلبه الفلانية في وادي السينغال، وبعض قبائل وطابي الفلانية في ماسنه، وأسرة بابابه التي يطلق اسمها اليوم على مدينة بابابى (غرب كيهيدي)، وقسم من هذه الأسرة في مدينة هوري فوندى وكيهيدي ونييرا، وكثير من فولبه بوصيا، وأورولبه داكا، وبنتو وأيدي، والذين يلقبون بباري في ماسنه، ومنه ينحدر مؤسسا دولتين إسلاميتين باوزتين في الغرب الإفريقي هما سليمان بال مؤسس الدولة المامية الإسلامية، والشيخ أحمد بن حمدي لبو مؤسس دولة ماسنه الإسلامية. وأسس ذوو إبراهيم هذا وذوو أبيه شمس الدين (الشريف بوبزول) بن يحيى الگلگمي وأحفاده فروعا وقبائل في أماكن مختلفة فرقتها التحولات الاجتماعية الناجمة عن السيبة، فكان جد السماسيد منهم أحد بناة شنقيط في آدرار سنة 808هـ/ 1405م، وكان أجداد إيكمليلن وأهل أشفغ حيبلل، وإيدگفوديه ممن ترك آبير إلى بلاد المدلش، ليصبح هؤلاء باستثناء إيكمليلن وأولاد أشفغ حيبلل لاحقا جزءا من نسيج المجموعة التندغية التي قاسمت المدلش خلال القرن العاشر للهجرة (16م) مواطنها ومناطق نفوذها، بينما عاش إيداشغره فترة إلى جوار إيدوفال (فالات گنار) الذين عظمت دولتهم بتگماطين ونواحيها. وإلى ودان قدم جد تنواجيو سيدي يحيي بن إدريس بن زكرياء بن منصور بن عبد المالك بن العافية بن محمد بن أحمد بن إدريس من أرض السوس (المغرب) في آواخر القرن التاسع الهجري (15م) بعدما رفض تولي الإمارة خلفا لعمه سيدي اعلي بن زكرياء الذي كان أميرا لتحالف من القبائل السوسية، قائلا إن الإمارة شجرة لا تغرس إلا بسفك الدماء. ورحل إلى ودان هو وأخوه سيدي اعلي فنزلها وهي تحت إمرة أولاد مزوك. قال المؤرخ والد بن خالنا: «اسم تنواجيو سيدي يحيى.. كان ساكنا بودان ثم انتقل عنهم على مهر أبيض فجاء أرض مسومه، وثبت بها وعرف بتن وجو ومعناه صاحب الفرس الأبيض فكان هذا أصل كلمة تنواجيو». ومن ودان تاشدبيت (آل يندگسعد) سموا بذلك لأن جدهم حسب الميتيولوجية المؤسسة أحمد اندعمر خرج من ودان بعد الظهر فوصل في "تاسدبيت" (وهي الروحة في المدة القصيرة بعد الظهر أو بعد العصر) واحدة إلى تيگماطين عاصمة گنار، فاشتهرت ذريته بهذا الاسم. ومن ودان أيضا النزحة الحاجية المشهورة باتجاه بلاد الگبلة التي بدأت مع القرن التاسع للهجرة (15م) واستمرت إلى القرن الحادي عشر الهجري (17م)، وشملت أفواجا من قبائل مسوفة المرتبطة بهم، نزحوا إلى عاصمة گنار تيگماطين، ومنهم من عبر نهر السينغال واستقر هناك، فنشروا العلم وكانت لهم الرئاسة حيثما حلوا، وتتحدث المصادر عن شواهد على هذه النزحة نقلا عن المختار امبي الحاجي مؤسس قرية گدانياندول في كايور إبان حكم عماري انگور (1549م- 1593م) . وتعرف الفروع المنحدرة من إيدوالحاج في السينغال بسوگوفاره، ودرمنكور، وهم مؤسسو قرية غديل (جواليا) في كايور، ولقبهم هناك آمر، كما تعرف قبيلتا تامگونه هناك بگومبولا، وجخنبه بجوخونبا، وكانتا قد نزحتا إلى كايور أيام الملك لات سوكابي (ق11هـ/ 17م). وحسب مذكرة مخصصة لتاريخ إيدوالحاج فإن أولاد محمد بن الحاج عثمان في السينغال هم الذين يعرفون بسوگوفارا، وأولاد إبراهيم بن الحاج عثمان يعرفون بجخنبه، وأولاد الصايم يعرفون بتورى درمنكور، وإيدياقب يعرفون بتانديا، وتفتله يعرفون بسادي، وتامگونه يعرفون بگومبولا. وفي الگبلة أسس إيدوالحاج زعامة دينية ودنيوية مشهورة بنوها على ما كان عليه الأنصار من الإيثار وبذل المهج، وكانت لهم محلتهم الخاصة بهم وقد اشتركوا بها مع معسكر الإمام ناصر الدين (تـ 1084هـ/ 1673م) في مهاجمة مملكة الوالو وقتل ملكها افارا كومبا خلال حرب شرببه (الصغرى). ونجلوا ببلاد عددا كبيرا من الرؤساء والعلماء والصلحاء، وكان لهم ميناء خاص بهم للتبادل التجاري مع الأوروبيين يدعى ميناء تكشكمبه، لا سلطة لأي أحد عليه غيرهم، وقد وقعوا أول اتفاقية تجارية به مع الفرنسيين سنة 1686م (1097هـ)، وقعها الشمس (الرئيس) المختار بن الأمين بن النجيب الحاجي . وكان عمه أشفغ أوبك بن النجيب الذي هو أول من نظم بيع العلك للإنگليز بمحطة تكشكمبه، بل أول من نظم هذه التجارة مع الأوربيين في البلاد على الإطلاق حسب ما ترويه التقاليد الشفهية المتداولة. وعندما اختلفت إمارة الترارزة في عهد أميرها العظيم محمد الحبيب مع فيديرب، وأعلن الأمير مقاطعة الفرنسيين لم يستطع أحد وقف التبادل الذي كان يقوم به إيدوالحاج معهم في تكشكمبه، وقد سخر العلامة محنض بابه بن اعبيد كل نفوذه الاجتماعي والروحي لحث ذويه على المشاركة في مبادلات إيدوالحاج الذين كانوا أخواله من جهة أمه تانيت بنت المختار بن الطالب أجود، وكان شديد الاعتزاز بهم علما ومعرفة وصلاحا، وقاد بنفسه قافلة العلك إلى مينائهم. ومن ودان أيضا النزحة الحاجية باتجاه بلاد الرگيبه التي خرج إليها الزعيم العلامة الصالح المرابط سيدي محمود بن الطالب المختار الحاجي من ودان في ثمانينات القرن الثاني عشر للهجرة بسبب صراع الإمامة في ودان، فأخذ عن العالمين الجليلين الطالب جدو بن نختيرو بن الطالب مصطف القلاوي (تـ1184هـ/ 1770م) والشيخ سيدي الأمين بن حبيب الجكني (تـ1180هـ/ 1766م) الذي زوجه ابنته. واشتهر المرابط سيدي محمود بالصلاح فأقبل عليه الناس وانخرط في سلكه كثير من أهل المنطقة من إيدوعيش ومشظوف وأولاد امبارك وأولاد الناصر وأولاد داود وإيرالن، وعائلات من تجكانت ومسومه وتاگاط وتندغه وغيرهم. وقد هاجرت بهجرة المرابط سيدي محمود إلى الرگيبه فصائل من إيدوالحاج من إيدوبجه ولوتيدات وإيدياقب وأولاد الحاج وغيرهم، وأسس المرابط سيدي محمود وذريته دولة دين ودنيا كبيرة في الرگيبه وتگانت وأفطوط. ومن ودان كذلك النزحة الأقيتية الحاجية التي حملت عائلة علامة الغرب بأكمله أحمدو بابا التنبكتي إلى تنبكتو فكان لهم القضاء والوجاهة والرئاسة بتنبكتو وسائر بلاد شنقيط وبلاد السودان دينا ودنيا ما لا يوصف، وكان عمر أحمدو بابا منهم حينما دخل المغاربة تنبكتو ستا وثلاثين سنة، وهو الذي اعتقل وحمل إلى المغرب مع أفراد عائلته فتتلمذ عليه المغرب بأكمله. ولا تحصى شخصيات إيدوالحاج ولا ودان العلمية التي أثرت المعارف الشنقيطية، فقد مثلت ودان أول حاضرة في بلاد شنقيط يؤلف فيها شرح شنقيطي لمختصر الشيخ خليل، ويدعى هذا الشرح "موهوب الجليل شرح مختصر خليل" للعلامة محمد بن أبي بكر الحاجي الوداني الذي كان حيا سنة 933هـ (1526م)، ويعتبر كتابه هذا ثاني كتاب شنقيطي محفوظ بعد كتاب الإشارة في تدبير الإمارة للإمام أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المتوفى سنة 489هـ/ 1096م بآزوگي، وكان سيدي أحمد الفزاز بن محمد بن يعقوب الحاجي الوداني أول من أدخل شرح الحطاب إلى ودان، أخذه بالسند المسلسل إلى الحطاب عن أحمد المسكه والد الشيخ أحمدو بابا التنبكتي (تـ1086هـ/ 1675م)، وأخذه عنه شيخ الشيوخ سيدي أحمد أيد القاسم اليعقوبي الحاجي الوداني، الذي أخذه عنه القاضي عبد الله بن محمد بن الحبيب العلوي الشنقيطي (تـ1101هـ/ 1700م) والطالب محمد بن المختار بن الأعمش العلوي الشنقيطي كذلك (تـ1107هـ/ 1695م)، وسيدي أحمد بوالاوتاد الحنشي التيشيتي أول من أتى بمختصر خليل إلى تيشيت ودرسه فيها، وأخذه عنه العالمان المشهوران أبوبكر بن أحمد بن أشفغ المسلمي (تـ1039هـ/ 1629م)، والحاج الحسن بن آغبدي الزيدي (تـ1123هـ/ 1711م) الذي لقي أثناء سفره إلى الحج الخرشي شارح خليل، واستدرك عليه أربعين مسألة في شرحه، وعن هؤلاء الرجال انتشر علم كثير في هذه البلاد خلال القرن الحادي عشر الهجري (17م) منطلقه ودان. ويدل استقراء الأسانيد العلمية الشنقيطية على أن غالبها يدور على مدينة ودان التي كانت تمثل البوابة التي منها انتشرت المتون القادمة من المشرق والشام ومصر والمغرب في ربوع البلاد، واشتهرت بتعدد مكتباتها وكثرة العلماء فيها واشتهرت بشارع الأربعين عالما، حيث كان الناس يعدون أربعين دارا متوالية في كل دار منها عالم. وفي فتح الشكور في أعيان علماء التكرور للبرتلي (طبعة بيروت) أن شيخ الشيوخ سيدي أحمد أيد القاسم توفي سنة 1086هـ، وهو مشكل لتصريح البرتلي في فتح الشكوربجهله تاريخ وفاته لدى حديثه عن ترجمة شيخه سيدي أحمد الفزاز، وقد تفطن الأستاذ النابه المرحوم جمال بن الحسن لهذا الإشكال، وتمكن من حله بحصوله على نسخة من الفتح في تيشيت بينت أن في طبعة بيروت سقوطا لسطرين من أواخر ترجمة سيدي أحمد أيد القاسم أدت إلى دخول ترجمة تلميذه أحمد بن أحمد بن الحاج العلوي الشنقيطي المتوفى سنة 1086هـ في ترجمته، حتى بدا وكأن تاريخ وفاة أحمد بن أحمد بن الحاج العلوي هو تاريخ وفاة شيخه سيدي أحمد أيد القاسم. ويقدم فتح الشكور في أعيان علماء التكرور صورة واضحة عن المساحة الكبيرة التي يحتلها العلماء الودانيون في مجال نشر العلوم الإسلامية، وأبوتهم لكثير من أعلام البلاد سواء في آدرار أو في الگبلة أو في الرگيبة وآفطوط أو حتى في ولاتة وتنبكتو، أو في المغرب ومصر والسودان وسائر بلاد المشرق العربي. وفي رحلة المنى والمنة للطالب أحمد بن اطوير الجنة الحاجي ما يشفي الغليل من ذلك، كما أن في ديباجة جمان كتاب البادية للشيخ محمد المامي ما يبين بجلاء عظمة العلماء الودانيين حيث يقول في مجال استدراكات العلماء على يعضهم البعض: «ومن ذلك نقد السالك بن محمد بن الحسن الحاجي الوداني على الولي الكامل والعالم العامل خاتمة المحققين سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي -نفعنا الله وجميع المسلمين به وبأمثاله آمين- ثلاثمائة مسألة من تأليفه في البيان "عروس الأفراح"، وسمع بذلك فسلم جميعه لسعة باعه -كما قيل في توقف الشافعي في عدة مسائل إن توقفه دليل على سعة علمه وورعه- بيد أن السالك أخبرني بعض تلاميذه أنه لا يدرس في البيان إلا بذلك التأليف إعجابا به من بين كتب البيان الوافرة في وادان »، وسيدي عبد الله أجمع أغلب علماء البلاد على أنه استكمل العلوم أصلا وفرعا وآلة وبلغ مرتبة الاجتهاد، فلو لم يكن السالك قمة شامخة من قمم العلم ما تسنى له مثل هذه الاستدراكات. وأعلام ودان ومكتباته وأثرهم وأثرها على البلاد وعلى الثقافة العربية و الإسلامية تحتاج إلى أكثر من هذه الحفريات الموجزة.

الحسين محنض


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2012-02-15 01:33:01
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article545.html