في الوقت الذي تتطلع فيه موريتانيا إلى إرساء دولة مدنية حديثة، عاد مشهد الاصطفافات العشائرية الموسمية ليطفو على السطح، خصوصًا في ولاية لعصابة، ومقاطعة كيفه تحديدًا، متدثرًا بثوب السياسة زورًا، ومحتميًا بشعارات دعم الدولة ومساندة برامجها.
إن المتابع لما يجري يدرك دون عناء أن هذه التظاهرات والتحالفات "المحلية" لا تنطلق من قناعة بضرورة التنمية أو إيمان بمشروع وطني، بل تتحرك في الغالب بدوافع عشائرية ضيقة، تسعى لترسيخ زعامات ما قبل الدولة، ومواقع النفوذ التقليدي، في مشهد يعاكس بوضوح مسار الجمهورية.
لقد أصبح من المألوف أن يُحمَل المنجز الحكومي على محمل الولاء القبلي، وأن تُفسَّر تعهدات رئيس الجمهورية – والتي هي لكل المواطنين – بوصفها مكاسب خاصة لفئة أو جهة بعينها، بل الأخطر من ذلك أن يُنظر إلى المطالب المشروعة بالتسريع في وتيرة تنفيذ المشاريع أو كشف اختلالات التسيير، على أنها نوع من التمرد أو التشويش، ما يُصادر الحق المدني في المتابعة والنقد والمساءلة.
والمؤسف أن هذه المظاهر لا تعبّر عن حيوية سياسية صحية، بل عن حالة من التقهقر إلى ما قبل الدولة، حيث تُختزل المواطنة في الانتساب القبلي، ويُفرغ الفعل السياسي من مضمونه، ويُعاد تدوير مفاهيم الولاء والانتماء لخدمة قوالب عشائرية موروثة.
وإننا، من منطلق التمسك بقيم الجمهورية، والحرص على مستقبل مدني حديث للبلاد، لا يمكننا إلا أن نُعبر عن رفضنا الصريح لهذه الظواهر، التي نرى أنها تناقض كليًّا الحلم الذي يحمله فخامة رئيس الجمهورية، حلم بناء دولة تقوم على العدالة، والمساواة، ومؤسسات القانون، لا على النفوذ القبلي، ولا على التوازنات الهشة.
لقد أظهر رئيس الجمهورية، في أكثر من مناسبة، رؤيته الواضحة لموريتانيا جديدة، تسود فيها روح المواطنة، وتُحترم فيها الكفاءات، وتُفصل فيها المسؤولية عن الانتماء القبلي أو الجهوي. وإننا على يقين أن ما يجري لا يرضيه، ولا ينسجم مع ما يسعى إلى تحقيقه لهذا البلد العزيز.
ومن هنا، نُجدد دعوتنا إلى:
استعادة هيبة الدولة في الداخل،
حماية المشروع الجمهوري من التشوهات العشائرية،
تمكين المواطنين من حقهم في نقد السياسات وتقييم أداء المسؤولين دون خوف أو تجريم،
وإشراك المجتمع المدني الحقيقي في متابعة الشأن العام، بعيدًا عن التزلف والولاءات الشخصية.
فموريتانيا التي نريدها، هي موريتانيا القانون، والمؤسسات، والعدالة، لا موريتانيا التحالفات الموسمية والأحلاف القبلية.
ولن يتحقق ذلك، إلا إذا وقف كل غيور – مواطنًا كان أو مسؤولًا – ضد هذه الانحرافات، انتصارًا للجمهورية، وحفاظًا على الحلم الكبير الذي بدأ يتحقق، ولن يكتمل إلا بالقضاء على هذه البقايا الماضوية.
بقلم: الأستاذ الفقيه محمد الصَّحَّه ديدي






