من صنهاجة الى لحراطين .. قصة الهجنة والجذور/ عباس ابرهام

لا يوجَدُ شعبٌ أصيل. ولا يمكن لجينٍ خالِصٍ أن يعيش وحدَه في الزمن. وإلاّ لذَرَى. إنّ شعوب الصحراء، ككلّ الشعوب، هي شعوبٌ هجينة، وناتِجة من تخاصُب تاريخي. إنّ البيظان والهالبولار والماندينغ والحراطين هي شعوبٌ اتحادية، بمعنى أنّها خلاصة تلاحم تاريخي. فالشعبَيْن اللذين كان يُقالُ إنّهما الأصلين، أي صنهاجة والماندينغ، هما أنفسُهما شعوب هجينة. فلا نعرِف هل الماندينغ، الذين سيوصَفون لاحِقاً، بالتكرور (خلافاً للتكرورو اللاحقين، الذين هم فُلاّن) من أيّ فصائل المانديغ، وهل هم أسلاف البامبارا أم أبناء عمومتهم السونينكى أم شريحة تاريخية سابقة. وعندما ظهرت ثورة الأنساب في القرن الثامن عشر فإنّ السونينكى (السارقولى: اسراقة) قالوا- مثلهم مثل البولار وصنهاجة وحتّى بعض الحراطين- إنّهم عرب الأصل، وأنّ جدّهم هو سراقة بن مالك.
أمّا صنهاجة، الأقدَم أثراً حتّى من الماندى في المنطِقة، فلم يكونوا خالِصين أو سائدين: فجزولة ولمطة لم يكونوا صنهاجيين (عبد الله بن ياسين، مؤسّس دولة صنهاجة، كان جزولياً). وكان بهم بيضٌ وسود. وأوداغست، عاصمة الصحراء التجارية، لم يُقِمها صنهاجة المنطِقة، بل أمازيغ تونس.وطبعاً في العصر الحديث لم تكن صنهاجة أصالة. بل إنّ عملية الصنهجة نفسها عملية تخاصُب عرقي. فسرعان ما تحوّلوا إلى شعبٍ جديد يُسمّى البيظان عندما تخاصَبوا مع العرب القادمين إمّا من الهجرات الشرفية أو المعقلية. وإلى اليوم ما زال البيظان عِرقَيْن. ويمكن لمواليد الأربعينيات أن يُميّزوا ببساطة بين العربي والزاوي في الشكل والمعنويات.
وقُل نفس الشيء عن الهالبولار: إنّهم خلاصة "بيضنة" بين شعبٍ شمالي يُقال إنّه مصري ليبي سامي هو البولار وشعبٌ إفريقي جنوبي هو التكرور. إنّه اتحادٌ عجيب بين الفلاّحين والمُنمّين. فعبقرية الفلاّن هي ملائمة، بدل منافرة، هذين المجتمعين، الذين شكّل صراعهما لبّ لتاريخ. وإلى اليوم ما زال يمكن للشُطّار أن يميّزوا بين جماعات الهالبولار، التي لم تدعِّ أصلاً النسب المشترك. 
وقُل نفس الشيء عن الحراطين. إنّهم شعبٌ يجمع العنصر الشمالي الأمازيغي والعنصر الجنوبي، الذي زعَم الفرنسيون إنّه قادِم من وسط السنغال، وأنّه بالأخصّ من سيرير (والحقّ أنّ تاريخه الصحراوي أقدَم من ذلك). إنّ عملية الحرطنة هي العملية التي تمّ بها صهر المتوافِدين في هوية واحِدة. وإلى اليوم ما زال الحراطين يتمايزون عرقياً وطبقياً بفعل هذه الاختلافات التاريخية.
كلّ شعوب الصحراء مرّت بحرطنة وبيضنة ومندغة وهلبرة، تمّ من خلالها صهر العناصِر الأوّلية في نسخة أثنية وثقافية جديدة. بل وإنّ هذه العملية هي نفس العملية التي حدَثت في الجنوب عندما وُلفِفَ السنغال وفي الشمال عندما عُرّب المغرب، وغالباً بالسلالات الأمازيغية (كالمرابطين والموحّدين).
إنّ تاريخ الصحراء، ككلّ التواريخ، غنّاء، وليس تاريخ فلول أو تاريخاً بدأ بالقرن السابِع الميلادي، كما اقترَح مؤخّراً بعض النوابِغ، الذين أرادوا التنظير على حقل هم أجانِب عليه (والتنظير آخر العِلم، لا أوّله). كما أنّه ليس تاريخ شعبٍ أصلي قمعته شعوبٌ غازية، كما اقُتِرح مؤخّراً في السياسة. بل هو تاريخ التخاصُب. يجب على الصحراء أن تحتفِي بتاريخها المتعدّد والمتداخِل وأن تبتعِد عن أيديولوجيات الأصالة وألعاب القُرى والقبائل وصغار العقول القائمة على الحقّ التاريخي والشعب المختار والأرض الموعودة.

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.