فسادٌ يتمدّد… ووعيٌ مدني يتقزّم! / محمد الصحه ديدي

نستقبل العيد الخامس والستين لقيام دولتنا، لكن الذي لا نجرؤ على الاحتفال به هو حال الوعي المدني الذي يبدو وكأنه لم يقطع خطوة واحدة منذ الاستقلال. خمسة وستون عامًا كان يُفترض أن تضع المجتمع في صف الأمم التي نضجت مؤسساتها وترسّخت ثقافتها المدنية، فإذا بنا نكتشف أن التخلف ما زال يلتفّ حول أعناقنا، وأن الوعي العام ما زال يتعثر عند أول اختبار.

وجاءت الزيارة الرئاسية الأخيرة لتفتح بابًا جديدًا ليس على الأجوبة، بل على أسئلة أكثر حرجًا؛ فالرئيس وإن أجاب عن قضايا مهمة، إلا أن زيارته أعادت طرح السؤال الأخطر:
ما الذي يجعل مجتمعًا بعمق التاريخ، وبخمس وستين سنة من بناء الدولة، عاجزًا عن صناعة وعي مدني يحمي نفسه؟

إن مظاهر ضعف الوعي لم تعد خفية، وأسبابها واضحة، وأبرزها:

1. انهيار التربية المدنية: مدارس حافظين لا مفكرين، وشباب يحمل شهادات بلا قيم.


2. إعلام يرفع الضجيج ويخفض الإدراك: خطاب مشغول بالترفيه أكثر من بناء المواطن.


3. تغلغل الولاءات الضيقة: قبيلة وجهة ومنصب تسبق القانون والدولة.


4. دولة قاعدية غائبة وقرار شديد المركزية: سياسات تُصنع من الأعلى دون حضور حقيقي للمجتمع.


5. غياب الرؤية الاقتصادية في الخطاب:
لم يتحدث الرئيس خلال زيارته الأخيرة عن مسارات الاقتصاد الوطني ولا عن روافده المستقبلية، ولعلّ سبب هذا الغياب ما لمسه من ضعفٍ واضح في الوعي العام؛ وعي لا يطالب ولا يسأل ولا يلحّ في أخطر ملفات الدولة.
مع أنّ شريحة واسعة من المواطنين لا تعنيها السياسة في شيء بقدر ما يعنيها المصير الاقتصادي للبلد ومستقبل الأجيال القادمة، وكان من حقّها أن تسمع رؤية واضحة لما ينتظر البلاد اقتصاديًا.


6. قدوة إدارية مفقودة: إذا غاب احترام القانون من الأعلى، انهار الوعي من الأسفل.


7. تنمية بلا إنسان واعٍ: مشاريع تُبنى، لكن الوعي الذي يحميها غائب.

 

وهكذا تستمر هذه الأسباب في تمديد الفساد وتقزيم الوعي، فتتكرر الأخطاء مهما تغيّرت الحكومات وتبدلت الخطابات؛ لأن الدولة بلا وعي كالجسد بلا روح، لا تقوى على النهوض.

ولذلك لم نعد بحاجة إلى وعود جديدة بقدر حاجتنا إلى مبادرة وطنية جادة يقودها الرئيس، تعيد الاعتبار لقيم المواطنة، وتُحيي دور القانون، وتوزن العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس من المساءلة والوعي والمسؤولية.
فبغير هذا الوعي، سيظل الاحتفال بالاستقلال مجرد ذكرى… لا تصنع استقلال العقول.

الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.