أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية دراسة بعنوان "نحو دور موريتاني أكثر فاعلية في مرحلة ما بعد القرار الأممي 2797 حول الصحراء الغربية"، تناولت التحول الذي أدخله القرار 2797 (31 أكتوبر 2025) على منطق إدارة الملف داخل مجلس الأمن، واقترحت مقاربة عملية تمكن موريتانيا من الانتقال من منطق الموقف إلى منطق الدور من دون التخلي عن نهجها المتوازن.
وترى الدراسة أن دلالة القرار تبرز من عنصرين متلازمين هما تمديد الولاية حتى 31 أكتوبر 2026 وطلب مراجعة استراتيجية خلال ستة أشهر، بما يجعل السنة التالية زمنا مضغوطا وليس زمنا عاديا، ويحول النقاش من سؤال الصياغات المتكررة إلى سؤال النتائج الممكنة ضمن أفق قريب. وفي هذا السياق تلاحظ الدراسة أن اللغة السياسية المصاحبة للقرار حملت إشارات إضافية حول ما يعتبره المجلس ممكنا وواقعيا في المرحلة المقبلة، بما يرفع من حساسية تموضع الدول المجاورة ويقلل من كلفة الانتظار الطويل.
وتؤكد الدراسة أن القرار لا يمكن فهمه بمعزل عن بيئة دولية وإقليمية بدأت تميل إلى حلول أكثر قابلية للتنفيذ وإلى تخفيف كلفة النزاعات المزمنة، عبر تراكم مواقف وتوازنات وتقاطعات مصالح تدفع نحو ترتيب عملي قابل للتفاوض. كما تشير إلى أن تداخل الملف مع رهانات الاقتصاد السياسي والبنى التحتية والممرات والاستثمارات جعل الاستقرار هدفا تتنازعه الأطراف بوصفه أداة لتعزيز الشرعية، وبوصف الشرعية نفسها أداة لتأمين الاستثمار، وهو ما يرفع حرارة السرديات ويزيد قابلية كل إشارة سياسية للتأويل المتنازع عليه.
وتضع الدراسة موريتانيا في قلب هذه المعادلة بوصفها دولة تتأثر بصورة مباشرة بارتدادات النزاع، بحكم الجغرافيا وبحكم توازن العلاقات مع الجارين الكبيرين وبحكم تداخل الملف مع أولويات الأمن الحدودي والاستقرار الداخلي. وتنطلق من سؤال عملي حول كيفية انتقال موريتانيا من الاكتفاء بتثبيت موقف متوازن إلى بناء دور يحمي مصالحها داخل التحول الجاري، من دون أن تتحول إلى طرف إضافي في النزاع ودون أن تستدرج إلى منطق المحاور تحت ضغط الاستقطاب.
وتعرض الدراسة معادلة المصلحة الوطنية العليا الموريتانية باعتبارها معادلة مركبة يتداخل فيها الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والمجتمع، إذ يمثل استمرار النزاع عبئا أمنيا يفرض يقظة دائمة في محيط إقليمي شديد الهشاشة ويؤثر بصورة غير مباشرة على كلفة الاستقرار وعلى صورة المجال لدى الشركاء ويضيق مساحة المناورة الدبلوماسية كلما ارتفعت حدة التوتر الرمزي بين الأطراف. كما تنبه إلى أن المجال العمومي المفتوح وما يرافقه من تدفق سرديات متعارضة قد يخلق احتكاكات داخلية غير ضرورية إذا غابت إدارة اتصالية منضبطة تحمي المجتمع من تحويله إلى ساحة صدى لصراع لا تملك الدولة التحكم في مساراته.
ومن هذا التشخيص تنتقل الدراسة إلى أوراق موريتانيا المتاحة، وتؤكد أن قيمة هذه الأوراق لا تقوم على أدوات ضغط صدامية، بل على القدرة على زيادة الوزن داخل هندسة التهدئة وضبط الإيقاع عند الحواف. وتبرز هنا عناصر مثل رصيد الثقة النسبي والقدرة على فتح قنوات هادئة، وموقع موريتانيا بوصفها حلقة توازن بين فضاء مغاربي شديد الاستقطاب وفضاء ساحلي شديد الاضطراب، إضافة إلى امتلاكها هامشا يسمح لها بالمساهمة في ترتيبات تخفيف التوتر حين تتوفر الإرادة السياسية واللغة المناسبة.
وتقترح الدراسة، في هذا الإطار، نموذجا تسميه "الحياد الوظيفي"، وهو انتقال من الحياد بوصفه موقفا محفوظا إلى الحياد بوصفه ممارسة تنتج أثرا تمكن ملاحظته. وتقوم أولى وظائف هذا الحياد على التيسير الهادئ عبر قناة تواصل ثابتة تعمل على تصفية سوء الفهم ومنع تراكمه بين العواصم المعنية، وتقوم وظيفة ثانية على خفض التصعيد بإجراءات صغيرة قابلة للتطبيق يتم طرحها بوصفها ترتيبات تهدئة تحمي المجال من الانزلاق وتمنح المسار الأممي أرضية أقل قابلية للاشتعال.
وتضيف الدراسة وظيفة ثالثة تقوم على ربط الاستقرار بمصلحة ملموسة، لأن التوتر حين يتحول إلى خسائر اقتصادية وإلى تعطيل لمسارات العبور والتعاون يصبح الجميع أكثر قابلية لالتقاط لحظة تهدئة عقلانية. وترى الدراسة أن هذا الربط ينبثق من لغة واقعية تسمح بإضعاف "اقتصاد التوتر" عبر تحويل الكلفة من معنى سياسي مجرد إلى وقائع تمس مصالح يومية يمكن قياسها، بما يخفف من قابلية الملف لأن يتحول إلى آلة استقطاب دائمة..
ولا يكتمل النموذج، وفق الدراسة، من دون التحصين السيادي الذي يجعل أي دور موريتاني أقل عرضة للانقلاب إلى مخاطرة، ويحدد حدود الانخراط ويمنع انتقال كلفة النزاع إلى المجال الحيوي الموريتاني، أمنيا ومجتمعيا ورمزيا. كما تبرز وظيفة خامسة تتصل بإدارة التوازن بين الجارين الكبيرين، عبر ضبط الخطاب وتفادي الإشارات القابلة للاقتطاع من سياقها، والإبقاء على مساحة حركة تسمح لموريتانيا بأن تخدم الاستقرار من دون أن يتم استغلالها داخل معركة الشرعية التي يخوضها الطرفان.
وتعرض الدراسة ثلاثة مسارات قريبة، مسار تقدم تفاوضي محدود يحتاج إلى تثبيت الإيقاع ومنع العودة إلى نقطة الصفر، ومسار جمود طويل مع توتر منخفض الشدة يفرض تعزيز الجاهزية والتحصين مع إبقاء قنوات التيسير مفتوحة، ومسار تصعيد ميداني أو رمزي يتطلب تفعيل خفض التصعيد بسرعة ووضوح وحماية المجال الوطني من أن يتحول إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين. وتخلص الدراسة إلى أن جوهر المقاربة ليس الرهان على نهاية سريعة، بل بناء قدرة دائمة على تقليل المخاطر وزيادة القيمة في كل سيناريو.
وتنتهي الدراسة إلى خلاصة مركزية مفادها أن المرحلة التي افتتحها القرار 2797 لا تفرض على موريتانيا تغيير نهجها المتوازن، لكنها تفرض تحديث أدوات هذا النهج حتى لا يتحول مع الزمن إلى فراغ يملؤه الآخرون بسردياتهم. فالدور الموريتاني الأكثر فاعلية بعد القرار هو الدور الذي يحمي الداخل ويخفض التوتر عند الحواف ويصون التوازن الإقليمي ويمنع البلاد من أن تستدرج إلى صراع سرديات وتأويلات، ويفتح في النهاية أفقا تحكمه المنفعة المشتركة ويتراجع فيه اقتصاد التوتر الذي أنهك الجميع.
مركز أودغست يصدر دراسة حول دور موريتانيا بعد القرار الأممي 2797 بشأن الصحراء الغربية






