بثت قناة الموريتانية مقابلات مع عدد من المواطنين والفاعلين في ولاية لعصابه بهدف سرد ما تحقق من منجزات في الولاية في ضوء الحصيلة التي قرأها الوزير الأول أمام البرلمان للعام 2025.
وقد تبارى هؤلاء في إخراج صورة وردية عن أوضاع الولاية تنعتها "بمدينة أفلاطون".
هذه الإطلالة الإعلامية أثارت ردود أفعال كثيرة من لدن المواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الشارع والصالونات واستغربها المتابعون لشؤون الولاية لما ورد فيها من مغالطات والتحدث بمعلومات بعيدة كل البعد عن الدقة وعن واقع أحوال الناس هناك.
وباستثناء المجموعة القليلة المستفيدة من "الولاية" فتقنص القليل الموجه من الحكومة، ومن دأبت على مباركة ومدح كل إشارة أو كلمة تصدر عن الرسميين فإن هذا الحديث اعتبر على نطاق واسع استفزازا لمواطنين يعيشون بؤسا متفاقما وتحاصرهم ضائقات الزمن من كل الجهات.
ونظرا لطول البرنامج وكثرة المتدخلين فقد سجلت فقط عشرة ملاحظات على جوانب محددة من هذه المقابلات المثيرة:
- حول التعليم فهو يسير بشهادة المدرسين وأولياء التلاميذ حثيثا إلى المأساة بفعل الاكتظاظ وقلة البنايات والنقص الحاصل في المدرسين وارتباك المناهج وترهل ما بشرت به المدرسة الجمهورية التي باتت شعارا يفتقر بشكل مطلق للقواعد والأسس التي تمكن من تحقيق ولو يسير من هذا المعنى وانصرفت إلى هدف سياسي دعائي كما جرى مع الكتاب والأمية في عهد سابق.
وإن وجود مدارس في أعرشة يجمع فيها المعلم العشرات من التلاميذ بمستويات مختلفة يحول عملية التربية إلى نشاط لمحو الأمية الأبجدية لا أكثر.
وكان على الإعلام الرسمي أن يصور مدارس قرى العرك والتاشوط وأخرى في آفطوط وظهر لعصابه كي يكتشف حجم الكارثة، وأما في المدارس القريبة في كبريات مدن الولاية فإن وجود أكثر من 100 تلميذ في قاعة ضيقة واحدة يترجم بجلاء مدى القاع الذي تدحرجت إليه عملية التعليم في الولاية، وحين ننظر إلى الوجه الشاحب للمدرس فسنقرأ على تلك القسمات بوضوح مدى ضياعه المادي والمهني والمعنوي وهو ما يكبحه عن تقديم الحد الأدنى من المردودية.
وإن افتقار المفتشيات المقاطعية بولاية لعصابه لسيارات للقيام بأبسط المهمات رغم وجودها في عهود سابقة تنعت اليوم بعهود الفساد يكفي لتأكيد عدم الجدية بالنهوض بهذا القطاع الذي يعد منطلق أي تنمية.
2. أما ما أثير عن التغطية الصحية فإن التوصيفات في هذا المجال جانبت الحقيقة بشكل فج ، وعلق عليها الناس بالكثير من التهكم؛ فالنقاط الصحية لا تغطي غير الجزء اليسير من القرى والتجمعات بولاية لعصابه وهناك مسافات شاسعة بين تلك النقاط تتجاوز في كثير من الأحيان عشرات الكيلومترات وفي أحسن الأحوال تتوفر النقطة الصحية على ممرض واحد أعزل من أي وسائل أو معدات وكثيرا ما يعزف القرويون عن زيارته فيعود إلى الإدارة طالبا التحويل ،وحين نزور قرى الحدود الجنوبية نرى نساءنا وهن يلدن على عربات الحمير في طريقهن إلى المراكز الصحية التي تليهم بدولة مالي بحثا عن العلاج وما وفاة 8 أشخاص بسبب انتشار الديفتاريا في ريف مقاطعة كنكوصه في أسبوع واحد من شهر أكتوبر الماضي إلا مثالا حيا على تخلي الدولة عن سكان تلك المناطق الهشة.
وبخصوص مستشفى كيفه فإن الجواب جاهز على لسان كل زائر ومريض: إهمال مستشر، وافتقار فاضح للوسائل والمعدات وأطباء في مجملهم محل انتقاد السكان وعدم رضاهم ، ومن يلج هذا المرفق الهام بعد منتصف النهار طالبا للاستشارة سوف يكتشف أن الأطباء انصرفوا إلى شأنهم مما يفرض على المرضى الانصراف للطب التقليدي وإلى الرقيى والشعوذة والتماس الحلول في العيادات الخاصة، ذلك الوضع يفاقمه اليوم تعطل جهاز الاسكانير الوحيد بالولاية في واحدة من أبشع صور اللامبالاة والاستخفاف بأرواح المواطنين.
3. وفي مجال العطش لم يكترث المتحدثون للتلفزة "العمومية" بعطش عشرات الآلاف من سكان مدينة كيفه سواء في الأحياء التي حرمت من الشبكة ابتداء أوفي الأحياء التي التحقت بقافلة العطش أخيرا عندما جفت حنفياتها فتزامن تدفق مياه أمبيقير مع جفاف المياه القادمة من الآبار الغربية وظل الفقراء يدفعون من جيوبهم مقابل "فواتير العطش".
هذا العطش الذي هجر الأسر وحول حياة المواطنين إلى جحيم ودفعهم إلى شراء مياه آبار قديمة كانت مكبا للجيف والقاذورات بأسعار غالية، وفي كافة مدن وقرى الولاية فإن العطش ينتشر وهو يعد المشكل الأكبر في كافة أرجاء الولاية وإذا كانت الحكومة قد أعلنت عن انطلاق مشروع النهر فإن الحديث يجب أن ينصب فقط على ما هو واقع اليوم وليس عن مشروع ثلاث سنوات مستقبلية إذا صحت الآجال.
5. وفيما يتعلق بالكهرباء فهي الخدمة الأكثر ترهلا على الإطلاق وإن تعافت الانقطاعات في مدينة كيفه خلال موسم البرد وبسبب انحصار الاستهلاك فإن الشركة لم تتخذ تدابير لحلول نهائية وظلت الكهرباء منذ دخولها سنة 1996 لا تستمر يوما حتى تنقطع في اليوم التالي وحالها أكثر سوء في كافة مدن الولاية.
6.أما الحديث عن المنجزات في مجال الزراعة فلا جديد على هذا الصعيد فالأراضي هناك ملك للقبائل وليست للفلاحين ، ولا وجود لتقدم يستحق الذكر غير عدد من المحاريث أسند تسييرها للجهة وقد أصيبت أكثريتها بأعطاب أوقفتها بعد ساعات قليلة من العمل لتخضع البقية لأساليب الوساطة والزبونية ويبقى آلاف الفلاحين الاستحقاقيين يندبون حظهم منذ الاستقلال في الحصول على ساعة من جرافة لإصلاح سد أو الظفر بسياج أو معدات أخرى؛ فنصيب الأسد من تدخلات هذا القطاع يعترضها النافذون من أجل إقامة المحميات الإقطاعية وبناء السدود الوهمية في الأراضي البور. ولولا مبادرات شخصية من رجال أعمال محليين ونشطاء متحمسين عادوا لزراعة الخضروات في بعض مناطق الولاية لأصبحنا على ولاية خالية من الزراعة وتعترض هؤلاء مشاكل جمة لم تقم الحكومة للأسف بتذليلها رغم مطالبهم الملحة.
7- كان على المتدخلين وهو يقدمون أخبار ولايتهم أن يتطرقوا إلى 4 أشهر من الحرائق في سابقة في تاريخ الولاية حولت أهم المناطق الرعوية إلى رماد وعودة الوسط البيئي إلى الفوضى بصورة لم تشهدها الولاية على الإطلاق.
8. جاء الحديث أيضا في هذه المقابلات عن المواشي ما تم من عمل في هذا الاتجاه وفي هذا المضمار فإنه باستثناء حملات التلقيح الروتينية التي ينظمها قطاع البيطرة كل عام فلا وجود لأي سياسية للاستفادة الحقيقية من هذه الثروة التي مازالت ضائعة في غياب تام لأي رؤية أو استيراتجية للنهوض بها ويغلب على تسييرها الأسلوب البدوي الجامد حتى اليوم.
9. وفي حالة التآزر ومفوضية الأمن الغذائي فإن الحديث عن منافعها للناس كان مبالغة كبيرة وأقوالا مردودة، فرتوش هنا ونبش هناك لا يغني آلاف الجياع؛ فلا قرية بهذه الولاة أقلعت من الفقر ولا أسرة واحدة اكتفت في قوتها اليومي فبات تصوير الفقراء أمام الرأي العام وهم يمسكون حفنات تافهة هدفا دعائيا أسمى لهذين القطاعين.
10. إن ما تعيشه عاصمة الولاية (كيفه) من ترد لكافة الخدمات ومن غرق في القمامة وتقعر للطرقات وغياب للتخطيط أمر ينسحب بشكل أفظع على كافة مدن وقرى هذه الولاية؛ وذلك في ظل سلطات جهوية ومحلية لا تريد أن تتحدث بغير الألفاظ العسلية وتخاف على الكرسي بدرجة تجعلها حبيسة عن قول الحقيقة.
لقد تعرض المتدخلون في ولاية لعصابه في هذه المقابلات لعدة نقاط أخرى ذهبوا فيها في نفس الاتجاه الناعت للأمور وكأنها على ما يرام؛ وأن السكان هنا يرفلون في جنات النعيم، معتبرين أنهم يتحدثون إلى مشاهدين أغبياء لا يعون ما حولهم ولا يفهمون في الحياة شيئا.
ومهما بلغت براعة هؤلاء المتدخلين الخطابية فإنهم لن يحجبوا الحقيقة المرة بهذه الولاية المتمثلة في انتشار الجوع والعطش وتردي الخدمات والخوف من المستقبل.
الشيخ ولد أحمد المدير الناشر لوكالة كيفه للأنباء






