بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على النبي الكريم
قال تعالى في محكم كتابه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِوَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِوَٱلْأَنفُسِوَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَٱلَّذِينَإِذَآأَصَـٰبَتْهُممُّصِيبَةٌۭقَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾
وقال جل من قائل:
. ﴿يَٰٓأَيَّتُهَاٱلنَّفْسُٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِيٓإِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾
صدق الله العظيم
بقلوب مؤمنة راضية بقضاء الله وقدره، وجوانح يوجعها ألم الفراق وعظم الفقد، وألسنة لا تقول إلا مايرضي الله، ودعنا اليوم واحدا من صفوة شيوخنا الأفذاذ، ومن سادتنا الأعيان، شيخنا الجليل وابن مشايخنا الأجلاء " طالبن بابه" المرابط ولد محمد ولد محمد الهادي تغمده الله بواسع رحماته، وأدخله فسيح جناته، وألحقه بالمصطفين من عباده من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
يعد الشيخ الحافظ المتقن، والعابد المنفق الزاهد الشيخ المرابط عميد الجيل الثاني من شيوخ محظرة أهل محمد ولد محمد الهادي التي تأسست على العلم والتقوى من أول يوم سنة 1915 في "أطرح" شمال شرقي أركيبه في مضارب البومالكيين على يد مؤسسها شيخ الشيوخ العلامة المربي محمد ولد محمد الهادي، الذي كان ملأ سمع الدنيا وبصرها علما وحلما وورعا، وكانقبلة لطلبة العلم من شتى مناطق موريتانيا ومن جوارها الإفريقي، وكانت أغلب أسانيد محاظرأركيبة تمر به أو بالشيخ محمد المصطفى ولد سيدي يحيى.
وقد نذر مؤسس محظرة أهل محمد الهادي حياته للقرآن الكريم وعلومه والفقه وفروعه وغيرها من مفردات الدرس المحظري، وكانت مضارب حيه منارات يرتل فيها القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وحرما آمنا للخائفين، ومثابة لذوي الحاجات بلا من ولا أذى.
" سلام على تلك المعاهد إنني إليها على ما كان مني لناظر
وأسنى السلام الآن مني لمعشر تقاصر عن أدنى مداه المعاشر"
ورغم السنوات العجاف التي مرت بها البلاد، وما عرفته من تحولات كبرى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما أحدثته السياسة الاستعمارية من تأثير سلبي على بنيات المجتمع ومعايشه، ورغم تضييق الإداريين الفرنسيين على شيوخ المحاظر، وسياسة الترغيب والترهيب، ظل شيخنا العلامة محمد ولد محمد الهاديصامدا أمام عاديات الزمان،قائما في محرابه العلمي وبين أحواش طلبته،يفيض عليهم من معين علمه الزاخر،ويرويهم من رسل علائله التلائد لبنا حلالا، وكأن الشاعر الكنانييصف حال المحظرة بقوله:
"بها فِتْيَةٌ آوَوْا طَريقةَ مالكٍ@كما مالكٌ آوَى طريقَ أبِي الزَّهْرَا
بِتدرِيسِ ذِي فِقهٍ ونَحْوِ ابنِ مَالكٍ@ونصٍّ بتَصنِيفِ السَّنُوسِيِّ في الكبرَى
فإنْ تلقَهُمْ تَلقَى مُعِمًّاومُخْوِلاً@وقاضٍ وذَا تَقوَى ومَن يَألَفُ الصَّبرَا
كأنَّهُمُ وهْنًا مَن اللَّيل رُكَّعًا@عَراجِينُ جنَّاتٍ حمتْها السُّرا هَصْرَا
فذا قائِمٌ يَبكِي وذاكَ مُؤذِّنٌ@وذِي فِتيَةٌ تَقَرَا وذِي أضْيُفٌ تُقْرَى."
وعلى هذه الحالة ظلت محظرة العلامة المنفق محمد ولد محمد الهادي تراكم فعل الخيرات ودرأ المنكراتإلى أن لقي شيخها ربه راضيا مرضيا، بإذن الله، صيف سنة 1950.
وبعد وفاة العلامة المؤسس تسلم الشيخ المرابط أمانة المحظرة ورسالتها العلمية، وكان يومها في ريعان الشباب، فمثل خير خلف لخير سلف، وكان على قدر المسؤولية، وحجم الأمانة، فرعاها حق رعايتها وما وهن وماضعف وما استكان.
وحين ألحت دواعي التحضر، ولم يكن هناك بد من هجر المرابع البدوية وحياة الظعن والانتجاع، رحلت مع الشيخ المرابط ولد محمد الهادي أحواشه وطلابه فكانت محظرة الرياض في الأطراف الشمالية الغربية لمدينة كيفه النسخة الثانية من محظرة أهل محمد الهادي ذات التقاليد العلمية الراسخة، والمكانة السامقة في عموم اركيبه وأفله.
وإذاكان الطور الأول من تاريخ المحظرة قد استغرق حوالي 35 سنة في عهد شيخ الشيوخ المؤسس العلامة محمد ولد محمد الهادي، فإن طورها الثاني في عهد شيخنا المرابط " طالبن" قد استمر أكثر من 75 سنة في خدمة القرآن وعلومه وطلبته من جميع الآفاق.
إننا، إذ نستحضر هذا التاريخ العلمي الناصع، لهذه المحظرة العريقة ولشيوخها الأجلاء، وماكان لهم من فضل وورع، ومابثوه من علم نافع في صدور الرجال تعززه الأسانيد المدبجة والإجازات المتصلة، وما تركوا لنا من مجد أثيل وذكر حميد، لنتضرع إلى الباري عز وجل أنيرحم شيخنا ووالدنا الشيخ المرابط ولد محمد الهادي (بابه) ويعفو عنه، ويكرم نزله، ويوسع مدخله، وأن يغسله بالماء والثلج والبرد، وينقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأن لا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده وأن يرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
تعازينا الصادقة لأهلنا الكرام، وشيوخنا الأجلاء أهل الفضل وأئمة العلم أهل محمد ولد محمد الهادي، وإلى عموم أهل بومالك، وإلى شيوخ المحاظر، وأئمة المساجد، وتلامذة الشيخ في مشارق البلاد ومغاربها.
رحم الله السلف وبارك في الخلف.
محمد المختار ولد محمد الهادي
انواكشوط في 14 فبراير 2026






