الحمد لله الذي بنى شريعته على حفظ الضروريات، ورفع الحرج عن المكلفين، فقال سبحانه:
{فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر}،
وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
أما بعد:
فإن رخصة الفطر للمريض من المواطن التي وقع فيها اضطراب في الفهم؛ إذ لم يُحرَّر الفرق بين المرض الموجب للفطر والمرض المبيح له، ولا بين ما يُناط فيه الحكم بأهل الخبرة، وما يُرجع فيه إلى تقدير المكلّف.
أولًا: المرض الموجب للفطر وجوبًا
وهو المرض الذي يغلب على الظن معه حصول أحد أمرين:
خوف الهلاك.
خوف الضرر البالغ الشديد، كذهاب منفعة عضو، أو اختلال حاسة من الحواس، أو وقوع تلف معتبر في البدن.
فهذا النوع يحرم معه الصوم، ويجب الفطر؛ لأن حفظ النفس مقصد قطعي، ولا يُشرع التقرّب بما يفضي إلى الإهلاك أو الإضرار الجسيم. والرخصة هنا تنقلب عزيمة، لأن دفع الضرر واجب.
وهذا القسم هو محل نظر الأطباء الثقات؛ إذ تقدير الهلاك أو الضرر البالغ شأن فني يُرجع فيه إلى أهل الاختصاص.
ثانيًا: المرض المبيح للفطر جوازًا
وهو مطلق المرض الذي يلحق بالصائم مشقة معتبرة زائدة على المعتاد، أو يخشى معه تأخر الشفاء أو زيادة العلة، دون أن يبلغ حد التلف أو الهلاك.
وهذا هو ظاهر إطلاق الآية؛ فإن لفظ المرض جاء عامًا، ولم يُقيَّد بكونه مهلكًا.
وفي هذا القسم يكون المكلّف مخيّرًا بين:
الأخذ بالعزيمة إن قدر بلا ضرر معتبر.
أو الأخذ بالرخصة، وهو امتثال مشروع؛ إذ الرخصة حكم شرعي ثابت بدليل، وليست خروجًا عن مقتضى العبادة.
تحرير مناط الحكم
الضابط في ذلك:
كل مرض يغلب على الظن معه حصول ضرر معتبر بالصوم جاز الفطر.
فإن بلغ الضرر حدّ التلف أو الهلاك وجب الفطر.
وإن لم يوجد ضرر معتبر لم يجز الفطر.
فلا يصح حصر الرخصة في المرض الخطير فقط، كما لا يصح إطلاقها في كل عارض يسير لا أثر له.
تنبيه أصولي
المسألة من باب تحقيق المناط لا من باب تخصيص النص؛ فالنص عام، والمناط هو الضرر المعتبر.
والشريعة راعت حفظ النفس، كما راعت تعظيم العبادة، وجمعت بين الأمرين بميزان دقيق.
والله أعلم،
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
فتوى في تحرير مناط رخصة الفطر للمريض في رمضان / الأستاذ الفقيه محمد الصحه ديدي






