عيادة الصوم: من تزكية الفرد إلى إعادة بناء الوعي المجتمعي والسياسي/ محمد الصحه

ليس الصوم مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للهرم القيمي داخل الإنسان، وامتحان سنوي يعيد الإنسان إلى أصله المشترك. إنه «عيادة روحية» يدخلها المجتمع كل عام ليخضع لفحصٍ أخلاقي شامل.
أولاً: الصوم كتجربة مساواة شعورية
حين يجوع الغني كما يجوع الفقير، ويعطش المترف كما يعطش المعدم، تسقط مؤقتًا الفوارق المصطنعة.
المال لا يشتري لقمةً في زمن الإمساك، ولا يعجّل الأذان.
يتحوّل الجوع من مفهومٍ نظري إلى إحساس مباشر، فتنتقل قضية العدالة من مستوى الخطاب إلى مستوى الشعور.
ثانيًا: من الإحساس الفردي إلى الوعي الاجتماعي
إذا بقي أثر الصوم فرديًا فقد أدى بعض وظيفته، لكنه لم يبلغ غايته الحضارية.
المقصود أن يتحول الإحساس بالمشترك الإنساني إلى وعيٍ اجتماعي يعيد النظر في أنماط الاستهلاك، وسياسات التوزيع، وفلسفة الثروة.
فالصوم يعلّم أن:
الكفاية حقٌّ عام، والاحتكار انحراف.
الحاجة أصل، والترف عارض.
استقرار المجتمع بكفاية الكثرة لا بوفرة القلة.
ثالثًا: الصوم وإعادة التفكير السياسي
الصوم تمرين سنوي على مراجعة علاقة المال بالسلطة، والثروة بالمسؤولية.
إنه يطرح سؤالًا عميقًا:
هل الثروة أداة هيمنة أم أمانة تداول؟
وهل السياسات الاقتصادية تعكس روح التكافل أم تكرّس التفاوت؟
حين يذوق الميسور معنى الحرمان، يصبح الحديث عن العدالة ضرورة لا ترفًا فكريًا.
خاتمة
عيادة الصوم ليست انقطاعًا عن العالم، بل مراجعة له.
فإذا خرج المجتمع من رمضان أكثر إحساسًا بالمساواة، وأشد وعيًا بضرورة توزيعٍ عادل للثروات، فقد تحققت إحدى حكمه الكبرى.
أما إذا بقي الجوع تجربة عابرة تنتهي عند أول مائدةٍ عامرة، فإن العيادة لم تؤدِّ رسالتها كاملة.
والسؤال المتجدد كل عام:
هل نكتفي بتزكية الأفراد، أم نحول الصوم إلى وعيٍ يعيد بناء المجتمع على أساس العدل؟
الأستاذ الفقيه محمد الصحه ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.