التعايش: من الهوية إلى الجغرافيا قراءة في بند «وأن الجار كالنفس/محمد الصحه

في زمن تتضخم فيه الهويات وتتحول إلى أدوات تعبئة وصراع، يُقدَّم التعايش بوصفه تسوية بين سرديات متنافسة. غير أن وثيقة المدينة التي كتبها محمد ﷺ تقترح منطقًا أعمق: التعايش لا يُبنى على تفاوض الهويات، بل على حقيقة الجوار.
«وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم»
هذه العبارة ليست توجيهًا أخلاقيًا فحسب، بل قاعدة سياسية. فهي تنقل العلاقة من مجرد التسامح إلى مستوى المماثلة: الجار ليس “آخر” نتحمله، بل ذاتًا تشاركنا المجال.
الجغرافيا قبل الهوية
الوثيقة لم تؤسس جماعة عقدية خالصة، بل نظمت مجتمعًا متعدد الانتماءات داخل أرض واحدة. فجعلت ليهود المدينة دينهم، وللمسلمين دينهم، لكنها وحّدتهم في إطار “أهل هذه الصحيفة”، وربطت الحقوق والواجبات بحدود يثرب.
الجغرافيا هنا ليست خلفية محايدة، بل أساس الاجتماع السياسي:
من يسكن الأرض يخضع لنظامها.
ومن يشارك المجال يشارك المسؤولية.
فالمشترك الأول ليس العقيدة ولا العِرق، بل المكان.
ضد الألعاب الهوياتية
الألعاب الهوياتية تقوم على سؤال: من نحن؟
أما منطق الجوار فيقوم على سؤال: كيف نعيش معًا؟
الأول يُنتج تنافسًا على التفوق والهيمنة.
والثاني يُنتج بحثًا عن الاستقرار والعدل.
ولهذا ربطت الوثيقة بين الجوار ومنع الضرر: “غير مضار ولا آثم”.
فالضرر في مجتمع الجوار لا يصيب فردًا فحسب، بل يهدد البنية المشتركة.
التعايش كضرورة
التعايش ليس قيمة تجميلية، بل ضرورة جغرافية:
لا يمكن إلغاء من يجاورك.
ولا يمكن تجاهل أثره عليك.
ولا يستقيم الأمن إلا بتنظيم العلاقة معه.
ومن هنا يصبح العدل شرط البقاء، لا خيارًا أخلاقيًا إضافيًا.
الخلاصة
وثيقة المدينة أسست لمعادلة واضحة:
الهوية تُحترم، لكن الجغرافيا تُنظِّم.
والجار كالنفس، لا لأنه يشبهك، بل لأنه يشاركك الأرض.
بهذا المعنى، التعايش لا يحتاج إلى تضخيم الفروق ولا إلى إنكارها،
بل إلى إدراك أن المكان المشترك هو الأساس المتين لكل نظام عادل ومستقر.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.