تشهد الساحة الوطنية الموريتانية هذه الأيام مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها بالتحليل والمساءلة.
إذ ارتفعت أصوات الاحتجاجات وتعددت اساليب الغضب رفضاً لإجراءات تنظيم جمركة الهواتف الذكية.
في حين يسود صمت مطبق وهدوء غريب تجاه قضايا هي الأحق بالاهتمام : كالغلاء الصارخ في الأسعار علي سبيل المثال لا الحصر اللحوم بأنواعها في مواطن إنتاجها قبل وأثناء رمضان حيث يجب أن تنخفض الأسعار تيسيرا للطاعة...
واختلالا التنمية و الخدمات الصحية والتعليمية( تعطل جهاز اسكانير في كيفة مثلا ووو...... ).
إن هذه الحالة تعكس خللاً بنيوياً في سلم الأولويات المجتمعية حيث باتت الكماليات التي تغذي بريق المظاهر تتقدم في الوعي المجتمعي على الضروريات التي تصنع مستقبل الأمة وكرامة الفرد.
لقد تحول الانفتاح على الهواتف الذكية من وسيلة لتسهيل التواصل واختصار المسافات إلى غاية تغذي استهلاكاً مفرطاً وتفاخراً اجتماعياً لا طائل منه، بل وأكثر من ذلك فتحت الباب على مصراعيه أمام اختلالات سلوكية وأخلاقية وجرائم سيبرانية غريبة على قيمنا الأصيلة في ظل ضعف ملموس في الوعي الرقمي الرشيد.
إن القضية هنا أعمق من هاتف أو إجراء جمركي إنها معركة وعي مجتمعي يجب أن تحدد بوصلته: هل ننتفض من أجل كماليات تستهلك جيوبنا وعقولنا؟
أم ننتفض لقضايا تمس جوهر حياتنا ومستقبل أجيالنا ووطننا؟
إن بناء المواطن الواعي الذي يوازن بين المطالبة بحقوقه وأداء واجباته يتطلب إعادة ترتيب الهرم القيمي بحيث تصبح جودة التعليم وتوفير الدواء واستقرار الأسعار هي المعايير الحقيقية للمواطنة.
هنا تقع المسؤولية على عاتق النخب الفكرية والمؤسسات التربوية لترسيخ فقه الأولويات وتحويل طاقة الغضب الشعبي من القشور التقنية إلى القضايا المصيرية.
إن الكرامة لا تُستعاد عبر الشاشات، بل عبر إصلاح الواقع وفرض جودة الحياة كأولوية لا تقبل التأجيل.
فاطمة بنت عمار






