أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة تحليلية بعنوان "حين تكشف الحرب البعيدة هشاشة الدولة في غرب إفريقيا"، تناولت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران من زاوية أثرها البنيوي على الاقتصادات الهشة في غرب إفريقيا، وربطت بين اضطراب الطاقة العالمي وبين ما يترتب عليه داخليا من ارتفاع في أسعار الوقود، وضغط على المالية العامة، وتراجع في القدرة الشرائية، واتساع في التوتر الاجتماعي. وتنطلق الورقة من فكرة محورية مفادها أن الحرب البعيدة قد تدخل المجال الوطني عبر السوق وسلاسل الإمداد وكلفة الشحن وفواتير الطاقة، فتتحول خلال وقت قصير إلى عبء يومي مباشر على الدولة والمجتمع. ومن هذا المنظور، تقرأ الورقة الحرب بوصفها لحظة كاشفة لهشاشة اقتصادية ودولتية تراكمت خلال سنوات، ثم ظهرت بوضوح مع أول صدمة كبرى في أسواق الطاقة.
وترى الورقة أن أهمية الأزمة تتجاوز موجة الارتفاعات الظرفية في أسعار الوقود، لأنها أعادت طرح أسئلة مؤجلة حول طبيعة النموذج الاقتصادي السائد في عدد من دول الجنوب. فقد اتسع الاعتماد على السوق العالمية، وتراجعت أدوات الحماية العمومية، وضعفت فكرة الاحتياط الاستراتيجي، فصارت المجتمعات أكثر تعرضا لتقلبات لا تصنعها ولا تتحكم فيها. وضمن هذا الإطار، تعيد الورقة تعريف الأمن الطاقوي على نحو أوسع، فتربطه بقدرة الدولة على منع تحول اضطراب خارجي في سلاسل الطاقة إلى أزمة داخلية تمس النقل والغذاء والخدمات والثقة العامة والاستقرار الاجتماعي. وبذلك يصبح الأمن الطاقوي جزءا من بنية الصمود الوطني ومن القدرة الدولتية على التدخل والتوقع والتخفيف.
وتفكك الورقة مسار انتقال الصدمة من الحرب إلى الداخل الغرب إفريقي، موضحة أن الأثر يبدأ من اضطراب الممرات الكبرى للطاقة وارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل البحري والتأمين، ثم ينتقل إلى أسعار النفط والشحن، قبل أن يصل إلى محطات الوقود والأسواق المحلية وكلفة المعيشة. وفي البيئات التي تعتمد على استيراد المحروقات، وتضيق فيها الهوامش المالية، وتضعف فيها القدرة على بناء مخزونات كافية أو تشغيل أدوات دعم مرنة، تتسارع الصدمة أكثر من قدرة الحكومات على احتوائها. ومن هنا تكشف الورقة أن السوق الدولية حين تضطرب، فإن العبء الأكبر يقع على الدول والمجتمعات الأضعف، لأن الطاقة تمس بنية الحياة اليومية كلها، من النقل إلى الغذاء إلى الإنفاق الأسري.
وعند انتقالها إلى الاستجابات الحكومية، تبين الورقة أن الإقليم لم ينتج رد فعل موحد، بل أظهر أنماطا متعددة تعكس اختلاف البنى الاقتصادية والمالية وأدوات التدخل. ففي السنغال برز المنحى التقشفي من خلال تعليق الزيارات الخارجية غير الضرورية للمسؤولين تحت ضغط الموازنة، بما يدل على أن صدمة الطاقة تحولت سريعا إلى مسألة مالية عمومية. وفي موريتانيا اتخذت الدولة مسارا وسطا جمع بين رفع أسعار الوقود وبين إجراءات تخفيف اجتماعي عبر رفع الحد الأدنى للأجور والتحويلات النقدية للأسر ذات الدخل المنخفض. أما في نيجيريا فقد اتجهت الاستجابة نحو جانب الإمداد عبر زيادة الخام المخصص لمصفاة دانغوتي لتقليص التعرض للواردات الأعلى كلفة. كما رصدت الورقة حالات أخرى مثل غانا ومالي وغامبيا، حيث تراوحت السياسات بين الرفع المباشر للأسعار، والمراجعة الجزئية، والبحث عن تخفيف محدود، بحسب قدرة كل دولة وهوامشها.
ومن خلال هذا التنوع، تخلص الورقة إلى أن الاستجابات الحكومية كشفت تصورات مختلفة لدور الدولة وحدودها. فالدولة التي تبدأ بالتقشف تعطي الأولوية لحماية التوازن المالي العام، والدولة التي تجمع بين تمرير جزء من الكلفة وبين التعويض الاجتماعي تعترف بأن السلم الاجتماعي عنصر أصيل في إدارة أزمة الطاقة، والدولة التي تتحرك من زاوية الإمداد تشير إلى وعي متقدم بأهمية بناء قدرة داخلية على التكرير والتوزيع وتقليص الانكشاف على الخارج. وبذلك يصبح اختلاف السياسات مؤشرا على اختلاف أنماط الدولة نفسها، من حيث سرعة القرار وهوامش التدخل وعمق الأدوات الوقائية ونوعية العلاقة مع المجتمع في لحظة الضغط.
وتمنح الورقة لموريتانيا موقعا تفسيريا مهما داخل هذا المشهد، لأنها تقدم حالة تكثف التوتر بين صورة الاستقرار وحدود المناعة الفعلية. فموريتانيا، كما تعرضها الورقة، ليست حالة انهيار، وليست أيضا دولة ذات اكتفاء طاقوي أو هوامش مالية واسعة، وإنما هي دولة تتمتع بقدر من التماسك النسبي وتظل في الوقت نفسه معرضة بقوة لارتدادات الصدمات الخارجية. ولهذا تظهر الاستجابة الموريتانية بوصفها صيغة براغماتية تحاول الموازنة بين حماية الخزينة وحماية الفئات الهشة، وهو ما يجعلها حالة شارحة للهشاشة المنضبطة في غرب إفريقيا. فالورقة تشير إلى أن الاستقرار السياسي أو الأمني يمنح الدولة رصيدا رمزيا مهما، غير أن هذا الرصيد لا يكفي وحده لإنتاج مناعة اقتصادية واجتماعية عميقة حين تضرب السوق الدولية بقسوتها المعهودة.
كما تتوقف الورقة عند البعد الاتصالي والإدراكي للأزمة، وترى أن صدمات الطاقة تعمل أيضا عبر التوقعات وصورة الدولة في وعي المجتمع. فحين يشعر المواطن أن الحكومة تتلقى الصدمة من دون تفسير كاف، أو تتحرك من غير رواية واضحة، تتسع الفجوة بين القرار والإدراك العام، ويصيب التآكل الثقة نفسها. أما حين تشرح الدولة أسباب القرار، وتربط المعالجة المالية بالحماية الاجتماعية، وتدير توقعات المجتمع بقدر من الوضوح، فإنها تخفف من أثر الأزمة الإدراكي والنفسي. ولهذا تدمج الورقة الاتصال العمومي في مفهوم الأمن الطاقوي، وتعتبر إدارة المعنى جزءا من إدارة الأزمة نفسها.
وتنتهي الورقة إلى أن الحرب على إيران تحولت، في غرب إفريقيا، إلى جرس إنذار استراتيجي كشف حدود تصور ضيق للأمن الطاقوي ظل محصورا في التزويد والتسعير ورد الفعل الآني. ومن ثم تدفع الورقة نحو فهم أوسع يجعل الطاقة جزءا من بنية الدولة الحامية ومن العقد الاجتماعي ومن الصمود الوطني في مواجهة الصدمات العابرة للحدود. وضمن هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الكلفة بعد وقوع الاضطراب إلى بناء المناعة قبله، عبر الاحتياط، وتحسين الإمداد وتقوية أدوات الحماية الاجتماعية وتعزيز القدرة على التدخل والتواصل. وبهذا المعنى، تطرح الورقة سؤالا استراتيجيا مفتوحا أمام دول غرب إفريقيا، يتعلق بقدرتها على بناء دولة أقل انكشافا للسوق الدولية، وأكثر قدرة على حماية الحياة اليومية لمجتمعاتها من عنف الحروب البعيدة.
مركز اوداغوست للدراسات الاقليمية







