أصبحت ظاهرة الإشادة المبالغ فيها ببعض المسؤولين العموميين مشهدا متكررا في مدينة كيفه لا سيما اتجاه الولاة ويتبارى البعض في ذلك في مناسبات التجمع وزيارات الوزراء للمدينة ، حتى بات القيام بالواجبات الأساسية للدولة يُقدَّم أحيانا وكأنه إنجاز استثنائي يستوجب التصفيق والتبجيل. والحقيقة أن هذا السلوك لا يخدم المؤسسات ولا يعزز ثقة المواطنين، بل يكرس ثقافة التزلف ويضعف روح المساءلة والمواطنة.
فالمسؤول العمومي، مهما كان موقعه، لا يؤدي عملا تطوعيا ولا يقدم خدمة من ماله الخاص، وإنما يقوم بمهام أوكلها إليه القانون ويتقاضى عليها راتبا من المال العام.
فتعبيد طريق، أو إصلاح شبكة مياه، أو توفير أمن أو تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، كلها واجبات أصلية للدولة وليست “هبات” تستدعي المديح .
إن الإفراط في شكر المسؤولين على أداء واجبهم قد يخلق لدى بعضهم شعورا زائفا بالعظمة، ويشجع آخرين على البحث عن الصورة والدعاية بدل التركيز على النتائج الحقيقية. كما أنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن المواطن ينبغي أن يكون ممتنا لحقوقه الأساسية، بينما الأصل أن يطالب بها وأن يحاسب المقصر في توفيرها.
والأخطر من ذلك أن ثقافة التزلف تقتل النقد البناء، إذ يخشى البعض من إبداء الملاحظات أو المطالبة بالإصلاح حتى لا يُتهموا بالجحود أو معاداة المسؤولين.
وهنا تفقد المؤسسات إحدى أهم أدوات التطوير وهي الرقابة المجتمعية الحرة والمسؤولة.
ومن جهة أخرى، تقع على المسؤولين أنفسهم مسؤولية أخلاقية في رفض هذا الإطراء المبالغ فيه وعدم تشجيعه. فالمسؤول الناضج هو من يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن احترام المواطنين يُكتسب بالعمل الجاد والنتائج الملموسة، لا بسيل عبارات المديح والتصفيق. كما أن قبول التزلف أو السعي إليه يضعف هيبة المؤسسات ويحول العلاقة بين المواطن والدولة إلى علاقة أشخاص لا علاقة قانون وحقوق وواجبات. وحين ترى المسؤول مزهوا بذلك المديح الزائف فهو تافه، بدوي وقاصر الفهم.
إن المجتمعات المتقدمة لا تبنى بثقافة “الشكر على الواجب”، وإنما بثقافة الكفاءة والمحاسبة والشفافية. فحين يؤدي المسؤول عمله بإتقان فهذا أمر طبيعي ومتوقع، وحين يقصر يجب أن يُسأل ويُحاسب، دون مبالغة في المديح أو اندفاع في التقديس.
وما تحتاجه مدينة كيفه وولاية لعصابه بشكل عام اليوم ليس مزيدا من التزلف، بل مواطنين أحرارا يثمنون الإنجاز الحقيقي بعقلانية، ومسؤولين يدركون أن أعظم تكريم لهم هو خدمة الناس بإخلاص واحترام القانون.
لقد احتلت وجوه قليلة ومعروفة المشهد في مدينة كيفه و امتهنت هذه العادة السيئة . يشكرون المسؤول سواء كان ناجحا أو فاشلا، فاسدا أو نزيها وحين يتم تحويله عن الولاية يبكونه في حفل وداع كبير، يفعلون ذلك بكل وقاحة غير مدركين أنهم يضحكون على المسؤول ويسيئوون لأنفسهم.
لقد ولد هذا الانحطاط الاخلاقي أن يصبح للمسؤول أصدقاء وزبناء يحبهم ويحبونه، وأما الذين لا يقدمون مثل ذلك التزلف والشكر فهم خصوم للمسؤول وله حاسدون.
وكالة كيفه للانباء






