موريتانيا بين المدّ المادي وجزر القيم و المسؤولية الضائعة/ فاطمة عمار

كان المجتمع الموريتاني رغم قسوة الصحراء وشحِّ الوسائل يملك دفئا إنسانيا خاصا وكأن القلوب يومها أوسع من البيوت و القليل اكثر من كثير اليوم.
ولم تكن الحياة مترفة غير أن الأرواح كانت أكثر سكينةً وأقرب إلى بعضها بعضا.
كان الورع يرى في السلوك قبل الكلمات وكان الرجل إذا قدر سامح وإذا أعطى أخفى وكان الفقير يُكرم دون أن تجرح كرامته  لأن أجمل العطاء ما صان ماء الوجه وأبقى للإنسان هيبته أمام نفسه قبل الآخرين.
وكان الحياء روح المجتمع والمجالس سترا للأعراض وصيانة للسان وكانت الأمانة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية فالكلمة عهد والوعد مسؤولية والمصافحة تكفي لتوثيق ما تعجز عنه الأوراق.
وكانت المودة أبسط وأصدق تبنى على الجوار والرحم وصدق المعاشرة لا على المصالح الآنية و الحسابات المنفعية الضيقة.
أما الحكامة فكانت صوت الضمير المجتمعي تحفظ ميزان القيم فتمدح الشهامة وتستنكر الظلم  وتُبقي للفضائل حضورها في وجدان الناس 
وتصنع من الرجولة موقفًا ثابتا عند الشدائد ورحمةً بالضعيف، وانحيازا للحق ولو كان مُرًّا.
أما اليوم فقد انتقل المجتمع شيئًا فشيئًا من ميزان القيم إلى ميزان المادة فأصبحت المكانة تُقاس بما يملك الإنسان لا بما يحمل من خلق ومروءة وعلم وغلبت المظاهر على الجواهر...
ولم تعد البيوت كما كانت حصونًا للستر والحياء بل خرج الكثير من أسرارها إلى العلن حتى أصبح ما كان يُستحى من ذكره مادةً للتداول والتفاعل كما تمدد التبرج والتكلف في المظاهر لا تعبيرًا عن جمال الذوق بقدر ما هو سباق محموم نحو لفت الأنظار وصناعة الصورة الاجتماعية...
أما الإهتمام بالفقراء والقضايا العادلة فقد تحول عند بعض الناس إلى وسيلة للاستثمار العاطفي والسياسي والإعلامي حتى صار الحديث عنهم أحيانًا أقرب إلى المتاجرة منه إلى الخدمة..
ومع ذلك فليس المقصود أن الخير اندثر أو أن المجتمع فقد روحه بالكامل فما يزال في موريتانيا  رجال ونساء يحملون أخلاق الأسلاف في سترهم وصدقهم ومروءتهم غير أنهم اليوم جزرًا متفرقة تقاوم تيارًا جارفًا من المادية والاستعراض في حياة متسارعة.
ويبقى السؤال الأعمق: من المسؤول اليوم عن إعادة المجتمع إلى سكته الأخلاقية الصحيحة؟
أهي الأسرة التي تراجعت سلطتها التربوية؟
أم المدرسة التي ضعُف دورها القيمي؟
أم النخبة والدعاة والإعلام الذين أصبح بعضهم جزءًا من صناعة الاستعراض بدل مقاومته؟
أم أن المسؤولية في حقيقتها جماعية تبدأ من الفرد قبل أن تصل إلى المجتمع والدولة؟ 
فالأمم لا تفقد قيمها دفعةً واحدة وإنما حين يتخلى كل طرف عن دوره ويظن أن إصلاح الواقع مهمة الآخرين.

فاطمة عمار

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.