يمثل مشروع القطب التنموي ”النهضة الزراعية“ بوالية اترارزةتوجهًا إلعادة صياغة موقع القطاع الزراعي داخل االقتصاد
الموريتاني، من خالل االنتقال من نمط إنتاج تقليدي ومتفرق إلى منظومة متكاملة تجمع اإلنتاج الزراعي والحيواني، والبنى
اللوجستية، ووحدات التحويل، والخدمات المالية ضمن فضاء اقتصادي موحد.
وتبرز أهمية هذا النموذج في كونه يتجاوز النظرة التقليدية للزراعة باعتبارها نشاطًا إنتاجيًا محدودًا، ليربطها بمفهوم أوسع
يقوم على خلق القيمة المضافة من خالل التكامل بين اإلنتاج والتصنيع والتسويق. غير أن نجاح هذا التحول يبقى رهينًا بمدى
القدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى إنتاجية مرتفعة ونمو اقتصادي مستدام.
يمتد القطب على حوض إنتاجي يناهز 800 ألف هكتار في مقاطعات روصو وكرمسين وانتيكان وأركيز والمذرذرة، مع منصة
للتحويل والتصنيع في مدينة تكنت تربط مناطق اإلنتاج بموانئنواكشوط وانجاغو ومطار نواكشوط. ويمنح هذا الموقع المشروع
ميزة اقتصادية مهمة من خالل تحسين الربط بين مناطق اإلنتاج واألسواق، وتقليل تكاليف النقل، وتهيئة ظروف أفضل لتطوير
الصناعات الزراعية والخدمات المرافقة.
وتشير المؤشرات األخيرة إلى تحسن ملموس في أداء القطاع الزراعي، حيث ارتفع اإلنتاج الوطني من 409 آالف طن سنة
2019 إلى 985 ألف طن خالل موسم 2025-2026 ،بزيادة تقارب 140 .%كما ارتفع إنتاج الحبوب من 339 ألف طن إلى
أكثر من 700 ألف طن، وسجل إنتاج األرز نموًا من 255 ألف طن إلى 556 ألف طن. وتعكس هذه التطورات وجود قاعدة
إنتاجية يمكن البناء عليها لتعزيز مساهمة الزراعة في االقتصاد الوطني.
ويبرز قطاع الخضروات بشكل خاص باعتباره أحد مجاالت التحول، حيث ارتفع اإلنتاج من 46 ألف طن سنة 2019 إلى 255
ألف طن خالل موسم 2025-2026 ،مما ساهم في رفع نسبة تغطية االحتياجات الوطنية من 10 %إلى 46 .%ورغم أهمية هذا
التطور، فإنه يؤكد في الوقت نفسه أن الوصول إلى مستويات أعلى من األمن الغذائي يتطلب مواصلة تحسين اإلنتاجية وتطوير
شبكات التخزين والتوزيع وتقليل االعتماد على الواردات.
كما يعكس ارتفاع الدعم الموجه للمدخالت الزراعية، ومنها األسمدة التي ارتفع دعمها من 5 مليارات إلى 37 مليار أوقية خالل
الفترة نفسها، حجم االستثمار العمومي في القطاع. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب قياس أثر هذا الدعم بمدى مساهمته في رفع
الكفاءة واإلنتاجية، وليس فقط في توسيع حجم المدخالت المستخدمة.
وفي السياق نفسه، يشكل إدماج الزراعة المطرية ضمن الرؤية الجديدة عام ًال مهم ًا لتنويع قاعدة اإلنتاج، خاصة مع ارتفاع عدد
السدود من 63 إلى 190 وزيادة اآلليات الزراعية إلى 243 وحدة، وهو ما ساهم في تحسين تغطية جزء كبير من احتياجات
البالد من الحبوب التقليدية. غير أن استدامة هذه المكاسب ستظل مرتبطة بقدرة القطاع على تطوير أدوات فعالة إلدارة المخاطر
المناخية وتعزيز القدرة على التكيف.
تتمثل القيمة االقتصادية األساسية للقطب في أنه ال يركز على زيادة اإلنتاج فقط، بل يسعى إلى بناء منظومة متكاملة تشمل
التحويل والتخزين والتسويق، وهي الحلقات التي تحدد قدرة الزراعة على خلق ثروة اقتصادية فعلية. فكلما توسعت الصناعات
الغذائية والخدمات المرتبطة باإلنتاج، ارتفعت مساهمة القطاع في التشغيل وتنويع مصادر النمو.
وبناًء على ذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام ”النهضة الزراعية“ ال يرتبط فقط بتوفر األراضي والموارد، وإنما بتحويل هذه
المقومات إلى نموذج زراعي تنافسي قادر على تحسين اإلنتاجية، وتقليل فاتورة االستيراد، وخلق فرص استثمار وتشغيل جديدة.
في المحصلة، يمثل مشروع ”النهضة الزراعية“ رهانًا على إحداث تحول هيكلي في مساهمة الزراعة في االقتصاد الوطني،
وجعلها رافعة للتنويع والنمو. غير أن تحقيق هذا الطموح سيظل مرتبطًا بجودة التنفيذ، وفعالية إدارة الموارد، وتطوير سالسل
القيمة، وتحويل اإلمكانات الزراعية من موارد متاحة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.






