من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الدولة الوطنية أن تضعف مؤسساتها الدينية التقليدية، أو أن تفسح المجال لتيارات وأيديولوجيات عابرة للحدود لتحتل موقعها في تشكيل الوعي العام. فالمحاظر وشيوخها لم ينشؤوا خارج المجال الوطني، ولم تتشكل أولوياتهم بعيدًا عن حاجات المجتمع، بل ظلت قضايا الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والانسجام الأهلي في صميم رسالتهم التربوية والعلمية.
إن المؤسسة الدينية التقليدية، بما تحمله من مرجعية فقهية وعقدية مستقرة، لا تنتج مجرد معرفة دينية، بل تنتج نمطًا من التدين مندمجًا في الواقع الوطني، يرى في استقرار الدولة مصلحة شرعية، وفي تماسك المجتمع ضرورة دينية وأخلاقية.
أما الأيديولوجيات العابرة للقارات فغالبًا ما تحمل معها تصورات جاهزة، وصراعات مستوردة، وولاءات تتجاوز الحدود الوطنية. وقد تبدو في بعض اللحظات حليفًا نافعًا أو أداة مؤقتة، لكن التاريخ يكشف أن القوى التي تستمد مرجعيتها من خارج المجال الوطني لا تلبث أن تدخل في منافسة مع الدولة على توجيه المجتمع وتحديد أولوياته.
ولذلك فإن تهميش المؤسسات التقليدية، أو إضعاف مكانتها المعنوية، أو تقديم الأيديولوجيات الوافدة عليها، ليس مجرد خطأ في التقدير، بل مقامرة قد تدفع الدولة ثمنها لاحقًا. فحين يُهدم الحصن الفكري الذي نشأ داخل الوطن، لا يملأ فراغه إلا فكر نشأ خارجه، وحينها يصبح الصدام مع الدولة الوطنية احتمالًا طبيعيًا لا استثناءً عابرًا، لأن اختلاف المنطلقات لا بد أن ينتهي إلى اختلاف في الوجهة والغاية.
المختار الصافي






