عدت من رحلة قادتني إلى ربوع ولاية آدرار، زرت أطار وأوجفت والمداح وعديد الأودية والواحات، وعدت بصورة تختصر حال بلد تملك دولته من الإمكانات ما يكفي للنهوض، لكنها غائبة حيث يجب أن تكون حاضرة.
في آدرار، عاينت قهر الطبيعة وقسوة العمل والإنتاج في ظروف بالغة الصعوبة، وعاينت في الوقت نفسه الإهمال الحكومي في أوضح تجلياته. ولاية آدرار، الأولى سياحيا ومن أهم مناطق إنتاج التمور، ما تزال أجزاء واسعة منها تعاني العزلة، وخدمات الكهرباء والمياه فيها متردية.
خذوا المداح مثالا ، واحات هذه المنطقة وحدها تغذي سوق العاصمة يوميا بنحو عشر سيارات محملة بالتمور، حمولة الواحدة منها بين طن وطن ونصف، ولا تصلها إلا سيارات الدفع الرباعي عبر طرق بالغة الصعوبة ، وهذه العزلة وارتفاع تكاليف النقل لا يحرم سكانها من التنمية فحسب، بل يجعل إنتاج الخضروات غير مجدٍ اقتصاديا، رغم توفر الأرض والمياه واليد العاملة.
والأكثر إيلاما أن الدولة غائبة تقريبا عن كل شيء ،لا دعم حقيقيا للمزارعين، لا طرق، لا طاقة، ولا منظومة تساعد هذه الواحات على تحويل إنتاجها إلى مصدر دخل وتنمية.
و فى طريق عودتي إلى العاصمة، لم أحتج إلى وقت طويل لألمس بوادر أزمة الوقود الصامتة التي تعيشها البلاد منذ أسابيع، بينما تواصل الحكومة نفيها وتجاهلها ،في أكجوجت قضيت قرابة ساعتين أتنقل خلف حاكم المقاطعة وأستجدي رخصة لشراء عشرين لترا من المازوت، لأن المحطات المحدودة في المدينة امتنعت عن البيع من دون إذن الحاكم، بسبب انخفاض المخزون وأزمة التموين. وما إن وصلت البيت حتى استقبلتني شركة صوملك بانقطاعات الكهرباء، لتكتمل الصورة.
نحن، ببساطة، أمام أزمة نظام لا أزمة خدمات فقط نظام غزوانى يبالغ في الاحتفاء بإنجازات لا يلمسها المواطن في حياته اليومية، ويبحث عن أي إنجاز مهما كان هامشيا ليقدمه للرأي العام، و هو يعجز على أرض الواقع عن توفير أبسط شروط الصمود والعيش الكريم لهذا الشعب .
يحي اللود السفاح






