من أكرم ما عرفتُ من أهل العلم، وأجلِّ من عرفتُ من شيوخ القرآن، شيخي العالم المحرر النحرير سيدي المختار بن محمد عبدي، رحمه الله رحمة واسعة.
كان غزير العلم، واسع المدارك، عجيب الملكات في علوم القرآن وفنونه، وقد جمع الله له من أدوات التفقه في كتابه، ومن طرائق إيصاله إلى الطلبة، ما قلّ أن يجتمع في عالم واحد. ولم يكن تميزه مقصورًا على سعة المحفوظ وكثرة المراجع، بل كان له في التدريس والتربية العلمية منهج متين، يراعي فيه تفاوت الطلبة واختلاف ملكاتهم، فيخاطب كل طالب بما يناسبه، ويأخذ بيده من حيث هو، حتى يفتح له الطريق إلى حيث ينبغي أن يكون.
وكان رحمه الله آية في حسن الخلق، والرفق، وسعة الصدر، ولا سيما مع طلبة العلم. ولم يكن يشغله شأن دنيوي، مهما عظم في أعين الناس، عن العلم والتعليم، أو عن متابعة أحوال طلبته، والقيام بحقوقهم العلمية والتربوية. فكان يرى أن الطالب أمانة، وأن التعليم ليس مجرد إلقاء مسائل، وإنما هو بناء للعقل، وتهذيب للملكة، وتكوين للقدرة على الفهم والاستنباط.
وكانت له رؤية فقهية مستنيرة في قضايا العصر ونوازل الفقه، بعيدة عن التشنج والاندفاع، ولا يستهويه الجدل لمجرد الجدل، ولا يستفزه اختلاف الآراء، وإنما كان همه أن يصل الطالب إلى مدارك المسألة، وأن يعرف وجه الاستدلال ومناط الحكم.
ومن أجلّ ما امتاز به طريقته في التعليم أنه كان يحذر طلبته من الاكتفاء بالتلقين، ويحضهم على التحليل والاستنتاج والاستدراك، وعلى أن تكون لهم مع العلوم ملكة، لا مجرد محفوظات. وكان يعنى بتزويد الطالب بآليات التعامل مع الفن: كيف يقرأ، وكيف يفتش، وكيف يميز مظان المسألة، وكيف ينتقل من السؤال إلى مدركه، ومن النازلة إلى أصلها، ومن الفرع إلى أصوله وقواعده.
وقد آتاه الله قدرة نادرة على معرفة المدارك ومظان المسائل في أمهات المراجع؛ فإذا نزلت نازلة، أو عرضت مسألة، وجّه الطالب إلى مظانها بدقة عجيبة. وربما قلت له: بحثت عن هذه المسألة فلم أجدها، فينظر إليك نظر العارف، ثم يقول: نظرتَ في كذا وكذا؟ وراجعتَ الموضع الفلاني؟ ثم يعدد لك من الطرق ما يكشف لك أنك لم تستوف البحث؛ فكأنما كان يرى طريق المسألة قبل أن تراها عين الباحث.
وهذه ليست مجرد معرفة بأسماء الكتب وأبوابها، وإنما هي ملكة علمية راسخة، تقوم على خبرة طويلة بمسالك العلماء، وأبواب التصنيف، وطرق التعبير، واختلاف مناهج التأليف؛ وهي من أندر المواهب التي يكتسبها العالم بالرسوخ وطول الملازمة.
ولقد كان من أجمل ما تركه في طلبته أنه لم يكن يريد لهم أن يكونوا نسخًا من شيخهم، بل كان يريد أن يخرج منهم علماء قادرين على النظر والفهم والاستدلال والاستقلال في البحث؛ فكان يربي فيهم عقل الطالب قبل أن يملأ ذاكرته، ويصنع فيهم آليات الاشتغال بالعلم قبل أن يكثر عليهم من المسائل.
وكان مع ذلك صاحب هيبة علمية لا تحتاج إلى تكلف، وتواضع لا ينقص من قدره، فإذا جلس إليه طالب شعر أنه أمام عالم يفتح له أبواب العلم ولا يغلقها، ويقوده إلى الجواب ولا يحجبه عنه، ويعلمه كيف يبحث قبل أن يعلمه ماذا يقول.
وكان من دقيق نظره في التعليم أنه لا يعامل الطلبة على أنهم مستوى واحد؛ بل يعرف مواطن القوة والضعف في كل طالب، فينزل معه في التعليم منزلته، ويعطيه من التوجيه بقدر استعداده، حتى يخرج الطالب من عنده وقد اكتسب خطوة جديدة في طريق التكوين العلمي.
ومن هنا كان أثره في تلامذته يتجاوز حدود المسائل المحفوظة إلى صناعة الملكة العلمية؛ وهي الغاية التي لا يبلغها إلا من جمع بين رسوخ العلم، ودقة الفهم، وحسن التربية، وطول الخبرة بطرائق التعليم.
ولقد كان رحمه الله شديد العناية بالقرآن، شيخًا له في زمانه مكانته في علوم القرآن وطرائق إقرائه وتعليمه، وقد خصه الله بملكات في فهم كتاب الله وإيصال معانيه ومباحثه إلى الطلبة، قلّ أن تجتمع في غيره. فكان يجمع بين العلم بالقرآن، والقدرة على التعليم، ومعرفة الطريق التي تناسب المتعلم، وهي ثلاث خصال إذا اجتمعت صنعت شيخًا مربيا، لا مجرد مدرس.
وإن من الوفاء لأهل الفضل أن نشكر جمعية الولي الصالح لمربط سيدي محمود على هذا التكريم الكريم لشيخي العالم المحرر النحرير سيدي المختار بن محمد عبدي، عليه رحمة الله.
وأخص بالشكر أن الجمعية لم تجعل التكريم مجرد استحضار لذكرى عالم جليل، وإنما وصلته بتكريم من يشاركه في النهج العلمي، والعناية بالتعليم، وخدمة القرآن وأهله؛ الأستاذ المقرئ الشيخ إبراهيم ولد محمد فضل الله، أطال الله عمره، وأدام نفعه، ووفقه لحمل هذه الأمانة وإكمال هذه المسيرة.
فإن تكريم العلماء ليس تكريمًا لأشخاصهم فحسب، وإنما هو تكريم للعلم والمنهج والرسالة، واستبقاء للصلة بين أجيال العلماء، حتى لا تنقطع طرائق التعليم، ولا تضيع التجارب، ولا تنطفئ أنوار المدارس العلمية.
رحم الله شيخي سيدي المختار بن محمد عبدي، وجزاه عن القرآن وأهله، وعن العلم وطلابه، وعن كل من تعلم على يديه، خير الجزاء، ورفع درجته في عليين، وأبقى أثره في تلامذته ومحبيه.
وأدام الله على الأستاذ المقرئ الشيخ إبراهيم ولد محمد فضل الله الصحة والعافية، وأطال عمره في العلم والقرآن والتعليم، ووفقه لحمل الأمانة وإكمال المسيرة.
تلميذُ سيدي المختار بن محمد عبدي
محمد الصحة ديدي
كرو، بتاريخ 21/8/2026
في شيخ القرآن والعلم: سيدي المختار ولد محمد عبدي/محمد الصحه








