منذ أن أعطى رئيس الجمهورية تعليماته لأعضاء الحكومة والمسؤولين بأخذ عطلتهم السنوية في مسقط رؤوسهم، ضمن ما أُطلق عليه «وطني وجهتي»، توجه عدد من أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين والضباط ورجال الأعمال إلى مناطقهم الأصلية، وسط مشاهد إعلامية واحتفالية أثارت الكثير من التساؤلات حول الجدوى الحقيقية من هذه الزيارات.
فهل كان الهدف مجرد قضاء العطلة بين الأهل والأقارب، أم أن وراء المبادرة غاية تتجاوز ذلك إلى ملامسة واقع المواطنين ومعاينة أوضاعهم عن قرب؟
المؤسف أن ما ظهر في كثير من المناطق كان أقرب إلى مشاهد بروتوكولية منه إلى زيارات ذات طابع إنساني وتنموي.
سيارات فارهة، مواكب واستقبالات حاشدة، ومسؤولون يستقبلون كما لو كانوا أمراء، بينما يقف في خلفية الصورة مواطنون أنهكهم الفقر والمرض والعطش وتردي الخدمات.
المواطن الذي استقبل المسؤول لم يكن ينتظر موكبا ولا صورة تذكارية، وإنما كان ينتظر حلا لمشكلة يعيشها يوميا: ماء يصل إلى منزله، كهرباء مستقرة، طريقا صالحا، مركزا صحيا يقدم خدماته، أو مشروعا يفتح أمام الشباب بابا للعمل.
لكن ماذا تركت هذه الزيارات وراءها؟
لم تحل مشكلة العطش، ولم تتحسن الكهرباء، ولم تتغير البنية التحتية، ولم يجد المرضى من يواسيهم أو يخفف عنهم معاناتهم، كما لم تظهر مشاريع أو تدخلات ملموسة يمكن للمواطن أن يقول بعدها: " لقد استفدنا من زيارة المسؤولين إلى مناطقنا " .
ثم عاد المسؤولون إلى أعمالهم، وعادت المناطق إلى واقعها السابق، وبقيت المشاكل نفسها تنتظر من يلتفت إليها.
إن زيارة المسؤول لمسقط رأسه ليست في حد ذاتها مشكلة، بل قد تكون فرصة مهمة للاطلاع على أحوال المواطنين والاستماع إلى مطالبهم والوقوف على حاجاتهم الحقيقية. لكن تحويلها إلى مواكب واستقبالات وصور دون نتائج ملموسة يجعلها أقرب إلى نشاط بروتوكولي لا يغير شيئا من حياة الناس.
فالمواطن في الداخل لا يحتاج إلى أن يرى المسؤول في سيارته الفارهة، بقدر ما يحتاج إلى أن يرى أثر الدولة في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والطرق وفرص العمل.
والسؤال الذي يبقى مطروحا:
ما الذي استفاده المواطن من عطلة الحكومة في الداخل؟
إذا كان المسؤول قد جاء، واستُقبل، والتُقطت الصور، ثم غادر، وبقي العطش والفقر والمرض وانعدام الخدمات كما هي، فأي فائدة تحققت من هذه الزيارات؟
المطلوب ليس إلغاء العطلة، وإنما تحويلها من مجرد «زيارة للأهل» إلى فرصة للعمل والإنصات ومعالجة الاختلالات وترك أثر حقيقي في حياة المواطنين.
فالداخل لا يحتاج إلى مزيد من المواكب، وإنما يحتاج إلى نتائج.








