خلال لقائه بأطر ووجهاء مقاطعة بنشاب يوم 26 سبتمبر 2026، أطلق رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني نداءً وطنيا لمعالجة مشكلة القمامة وتحسين المظهر الحضري للمدن الموريتانية، مؤكدا أنه «ليس من المقبول أن يبقى المواطن في تعايش يومي مع القمامة»، ومشددا على أن نظافة المدن ستكون «أحد المؤشرات الأساسية لحسن أداء السلطات المحلية».
ولم يكتف الرئيس بالدعوة العامة، بل أكد أنه وجه السلطات الإدارية في مختلف ولايات الوطن إلى وضع ملف النظافة وتحسين المظهر الحضري ضمن أولويات عملها، داعيا المواطنين والمنتخبين وفعاليات المجتمع المدني إلى إطلاق هبة وطنية لمعالجة انتشار القمامة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: متى ستتحول هذه التوجيهات إلى إجراءات ملموسة على الأرض؟
فبعد أيام من صدور هذا النداء من أعلى سلطة في البلاد، لا يزال المواطن في العديد من المدن ينتظر أن يرى أثرا واضحا لهذه التعليمات. فالقمامة المتراكمة، والأحياء التي تفتقر إلى عمليات منتظمة لجمع النفايات، والمظاهر غير اللائقة في بعض الشوارع، كلها تجعل الحديث عن النظافة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة السلطات المحلية على تحويل التوجيهات إلى عمل يومي ومستمر.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة فقط بسلوك المواطن، رغم أهمية الوعي المدني والمحافظة على نظافة المحيط، وإنما تتعلق أيضا بوجود منظومة فعالة لجمع النفايات ونقلها والتخلص منها، وتحديد المسؤوليات بوضوح، ومتابعة أداء الجهات المكلفة بالنظافة.
وقد قدم الرئيس مدينة بنشاب نموذجا يمكن الاقتداء به، معتبرا أن تجربتها تبعث الأمل في إمكانية معالجة مشكلة النظافة وإعادة المدن إلى مظهر حضري لائق، متى توفرت الإرادة والمبادرة والحس المدني. كما وصف وضعية النظافة والتنظيم الحضري في معظم المدن الوطنية بأنها «غير مرضية».
وهنا تبرز مسؤولية السلطات المحلية بصورة خاصة. فإذا كانت نظافة المدن قد أصبحت، وفق ما أعلنه رئيس الجمهورية، مؤشرا أساسيا على جودة أدائها، فإن المواطن من حقه أن يتساءل عن الآليات التي ستعتمد لقياس هذا الأداء، وعن الإجراءات التي ستتخذ عندما تبقى الأحياء والشوارع غارقة في النفايات.
إن معالجة مشكلة القمامة لا تحتاج إلى حملات موسمية مرتبطة بزيارة مسؤول أو مناسبة وطنية، وإنما تحتاج إلى سياسة دائمة تقوم على الجمع المنتظم للنفايات، وتوفير المعدات والعمال، وتنظيم نقاط التجميع، ومراقبة الشركات والجهات المكلفة بالنظافة، إلى جانب توعية المواطنين وتطبيق القوانين ذات الصلة.
كما أن دعوة المواطنين إلى «هبة وطنية» ينبغي ألا تتحول إلى تحميلهم وحدهم مسؤولية مشكلة تتداخل فيها أدوار الدولة والإدارة المحلية والمنتخبين والمجتمع المدني. فالمواطن شريك أساسي في الحفاظ على النظافة، لكنه يحتاج في المقابل إلى خدمات منتظمة وبيئة إدارية قادرة على مواكبة النمو العمراني للمدن.
وبالنسبة لمدن مثل كيفه وغيرها من المدن الداخلية، فإن قضية النظافة أكثر إلحاحا ، خصوصا في ظل اتساع المجال الحضري وتزايد السكان وتراكم النفايات في عدد من الأماكن. ولذلك فإن توجيه الرئيس يفتح الباب أمام اختبار حقيقي للسلطات المحلية والمجتمع المدني : هل ستبقى دعوة النظافة مجرد تصريح في لقاء جماهيري، أم ستتحول إلى عمل ميداني يلمسه المواطن في الشارع؟
لقد قال رئيس الجمهورية بوضوح إن التعايش اليومي مع القمامة أمر غير مقبول، وأعطى للنظافة مكانة ضمن مؤشرات أداء السلطات المحلية. والآن، بعد صدور هذا التوجيه، تبقى الكرة في ملعب السلطات المعنية، التي يفترض أن يكون أول ردّ لها هو النزول إلى الميدان، وتشخيص واقع المدن، ووضع خطط عملية قابلة للقياس والمتابعة.
فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات حول النظافة بقدر حاجته إلى مدينة نظيفة، وشوارع خالية من النفايات، وخدمة منتظمة لجمع القمامة، وسلطات محلية تتحمل مسؤوليتها.
فالاختبار نداء الرئيس للنظافة.. متى تتحول التوجيهات إلى واقع في المدن؟ لأي توجيه ليس قوة العبارة التي قيلت به، وإنما ما يتركه من أثر في حياة المواطن.






