كيفه بين الماضي المشرق والحاضر المتردي/ المصطفى يحي باب

 كانت مدينة كيفة، كما كنا نسمع من آبائنا وكبارنا، من أوائل مدن الشرق الموريتاني التي شعر فيها المواطن بمساحة من الحرية، بعيدًا عن الرقابة القبلية والضغوط الاجتماعية.

كانت مدينة علم وثقافة، شُيّدت مدارسها بسواعد أبنائها، وعرفت الكهرباء ودور السينما والمسرح، وبرز فيها فنانون تركوا بصمتهم في العبي الموريتاني. وعندما كبر جيلنا، وجدنا كيفة مدينة عصرية لا تكاد تختلف كثيرًا عن نواكشوط؛ شوارعها نظيفة، ومؤسساتها حاضرة، ورجالها ونساؤها يتمتعون بروح حضرية وانفتاح واضح.

كانت كيفة مدينة عمالية، تعج بالمؤسسات والمنظمات والشركات، وكانت الإدارة فيها أقرب إلى المواطن. وكان المدير أو المسؤول يُنظر إليه باعتباره رجلًا مثقفًا وقادرًا على حل المشاكل، فلا يحتاج المواطن في كثير من الأحيان إلى الوصول إلى الوالي أو الحاكم.

كما أن كيفة أنجبت شخصيات وطنية بارزة كان لها حضور في تاريخ الدولة الموريتانية، من بينهم الرئيس أحمد ولد بوسيف، والرئيس المصطفى ولد السالك، والوزير يحي ولد منكوس، والوزير جبريل ولد عبد الله، والقائد العمالي الكبير  محمد محمود ولد محمد الراظي، وغيرهم كثير.

وكانت مجالس أهل كيفة تدور حول الثقافة والعلم والنقاشات المدنية وقضايا الديمقراطية والمجتمع، وكانت الإدارات مفتوحة أمام المواطنين، ويعمل فيها أشخاص يتمتعون بالكفاءة والاحترام، من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول.

أما كيفة اليوم، فالصورة تبدو مختلفة.

فرغم أن المدينة أنجبت اليوم أيضًا شخصيات تتولى مناصب عليا في الدولة، من بينها رئيس الجمهورية ووزير الخارجية ووزير الداخلية وغيرهم من المسؤولين، فإن المدينة نفسها تعاني من تراجع واضح في بعض جوانب الحياة الحضرية؛ شوارع متسخة، وتراجع حضور المؤسسات والمنظمات التي كانت تمنحها حيوية، ومواطن مثقل بمشاكل لا يجد لها حلولًا واضحة.

كما أن بعض الإدارات تعاني من ضعف في الأداء، وأصبح النقاش السياسي في كثير من الأحيان ينشغل بالتحالفات والصراعات ذات الطابع القبلي والسياسي، بدل أن ينصبّ على التنمية وحل مشاكل المدينة.

لقد تراجع، في نظر كثير من أبناء المدينة، جانب من الروح الحضرية التي ميّزت كيفة لعقود، وبرزت بدلًا منه مظاهر اجتماعية وقبلية وسياسية أثرت في صورتها وحياتها العامة.

ومع ذلك، لم تفقد كيفة كل شيء.

فما زال فيها رجال متمسكون بتاريخها وروحها المدنية، وما زالت هناك أصوات تقدمية تناقش مشاكل المدينة باحترام ومسؤولية، ومن بينها مجلس كيفة إنفو، الذي يفتح مساحة للنقاش حول قضايا المدينة ومستقبلها.

فمستقبل كيفة لا ينبغي أن يُختزل في الصراعات والتحالفات، بل في الكفاءة، والثقافة، والعمل، واحترام المواطن، واستعادة روح المدينة التي عرفها الآباء والأجداد.

كيفة تستحق أن تستعيد روحها.

المصطفى يحي بابه

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.