تطبيق الشريعة: خيار استراتيجي أم مناورة سياسية؟
وكالة كيفة للأنباء

فوجئ الشعب الموريتاني، خلال الأسبوع الماضي، مرتين، مرة حين أحرقت متون فقه مذهب الإمام مالك بن أنس ومرة ثانية عندما أعلن الرئيس الموريتاني عن نيته في تطبيق الشريعة الإسلامية، وبأن موريتانيا دولة إسلامية وليست علمانية.

صحيح أن موريتانيا هي إحدى الدول القليلة في العالم الإسلامي، بعد باكستان وإيران، التي ألحقت بنفسها صفة الإسلام، فأصبحت تعرف بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، وتلك مكرمة تذكر لها فتشكر، لكن الفضل فيها يعود للمستعمر الفرنسي، الذي رأى أن الإسلام هو المقام المشترك بين كل مكونات هذا المجتمع.

ومع ذلك، ظلت موريتانيا تستمد دساتيرها وقوانينها من دستور وقوانين الجمهورية الخامسة الفرنسية، وتنأى بنفسها عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، باستثناء المبادرة التي قادها أحد قادة انقلاب 1978، في محاولة منه لاسترضاء إحدى الدول المركزية في العالم الإسلامي وكسب ودها، فكانت تجربة غير موفقة، أساءت للإسلام أكثر مما خدمته، حيث قطعت أيادي الفقراء في سنوات الرماد، وخلا الجو للمفسدين ليعيثوا في الأرض فسادا..فلم تتحقق سياسة العدل في الإسلام وإنما سادت سياسة الكيل بمكيالين.

فكانت تلك الفترة استثناء في التاريخ الموريتاني الحديث ونموذجا لغياب الرؤية الإستراتيجية، فساد فيها الخوف والجوع وغاب العدل بين الناس وتعطل قطار التنمية.

واليوم ومع بروز حراك الشعوب العربية في محاولة للقضاء على عقود الاستبداد والتهميش، بات النظام الحاكم في موريتانيا، يبحث عن عاصم له من رياحهي وروائح زهوره المتفتقة، فلم تعد شعارات التجديد ومحاربة الفساد ورئاسة الفقراء كفيلة بتوفير الأمن والأمان، فجاءت محرقة كتب الفقه المالكي بمثابة هدية للنظام الرازح تحت تهديد الثورات العربية ذات اللون الإسلامي، فالتقطها بسرعة العصر وتحولاته، ليكون بين عشية وضحاها إماما للمسلمين، يحمي ديار الإسلام ويطبق شرع الله في أرضه.

فهل أن النظام مستعد لتكرير تجربة الثمانينات في مجال تطبيق الشريعة أم أن ذلك مجرد مناورة لتجاوز تحديات المرحلة الراهنة، خصوصا أن ضحاياها في الثمانينات، أصبح لهم وزنهم في لعبة الحكم والسياسة والحوار.

فهل يستطيع النظام تطبيق الشريعة، بعدما عجز عن توفير لقمة العيش الكريم لشعبه وعن إرساء دعائم العدالة الاجتماعية، فالشريعة هي العدل بين الناس وليست مجرد حدود ينفذها حاكم على هواه، فالرسول (ص)، يقول "إنما تنصرون بضعفائكم" ويقول"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيه الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

لقد باتت موريتانيا مرتعا للعديد من الجرائم المتمثلة في سرقة المال العام والخاص وتجارة المخدرات والمتاجرة بالبشر والرشوة واستغلال النفوذ والظلم الذي استشرى نتيجة التوظيف السياسي لمؤسسات الرقابة المالية وللقضاء والاستهتار بقوانين الدولة المنظمة لها، التي هي بمثابة العقد الجامع بين أفراد المجتمع، فكيف لأمة لم تحترم عقودها أن تنفذ شرع الله في أرضه.

إن تلك المقولة ستظل بعيدة عن الواقع العملي لأن دولا محورية في العالم الإسلامي إما أنها عجزت عن تطبيق الشريعة الإسلامية أوشكل تطبيقها تحديا كبيرا في استمرارها موحدة، كما هو الحال مع السودان، الذي قسم إلى دولتين، إحداهما تدين بالإسلام والأخرى تدين بالمسيحية، وأصبح السودانيون يقلبون أكفهم على ما أنفقوا فيها.

فهل تملك موريتانيا ما يؤهلها لأن تكون نموذجا في تطبيق الشريعة الإسلامية بحكم مواردها الاقتصادية والبشرية وموقعها الجيو سياسي، أم أن ذلك مجرد شعار لامتصاص غضب شعب أنهكه ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وأهين في دينه ومعتقداته، عندما أقيمت لكتبها محرقة في يوم جمعة مشهود.

بقلم سيدي ولد سيد محمد

نواكشوط 05 مايو(أيار) 2012


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2012-05-06 01:20:34
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article1015.html