المدرس المجهول ومصيره المخيف
وكالة كيفة للأنباء

سألنا وليته لم يسأل فأجبناه وليتنا لم نجب . أتدرون من الذي سأل وما الذي قال ؟

كنت أنا ومجموعة من حملة مشعل البناء والتغير في البلاد أعني بذالك نفر من الأسرة التربوية , كنا ندرس في أقصي نقطة من بلادنا وبتحديد في ذالك المركز الإداري المعروف بومبو وبما أن الطريق إلي سيليابي وعرة المسالك غير معبدة تصيب الدوران بسالكيها وتمسك أغصان الأشجار برقاب ركاب سياراتها فمنهم من ينقذ ومنهم من يبقي معلقا إلي يوم الدين آثرنا أن نعبر النهر داخل أراض جارتنا متوجهين ألي العاصمة وقمنا بلإجراآت اللازمة لذالك وأخذنا صاحب زورق ليصلنا إلي ضفة النهر الموالية لجارتنا فهناك حصل ما لم يخطر ببال دولتنا التي أرسلتنا إلي تأدية مهمتنا هناك حيث آثرت أن تتركنا مع الباعة والمشترين ومع العمة والخاصة وامتنعت أن تجعلنا كحملة العصي عند أبواب المؤسسات والشركات والبنوك الذي يحمل كل واحد منهم بطاقة مهنية تميزه عن غيره أو تكون علي الأقل تعريفا لمؤسسته التي ينتمي أليها أو تعينه أن هو احتاج لها فيخلي سبيله صونا لماء وجهها وتقديرا لمجهوده .

عند ما وصلنا استوقفنا رجل المرور المكلف بالتأكد من هوية كل داخل في أراضيه وبعد التحية ورد السلام سألنا من أنتم وإلي أي وجهة ذاهبون ؟ فأجبناه بكل فخر واعتزاز نحن مدرسون فقال إذن أنتم موظفون سامون وأنتم بناة المستقبل للأجيال وحماة العقول من الزيغ والضلال نحن نجلكم ونحترمكم ولكن لو سمحتم قدموا لنا بطاقاتكم المهنية لتطمئن قلوبنا وادخلوا أراضينا أن شاء الله بسلام آمنين . عندما انتهي من كلامه المعسول وعباراته التي ما سمعنا بها في آبائنا الأولين أجبناه والمرارة تملأ قلوبنا والأسى قد خيم علي قلوبنا : نحن ليست لدينا بطاقات مهنية وليست في نظام مؤسساتنا التعليمية . فاطرق هنيهة وتغيرت ملامح وجهه ربما شفقة علينا ومن أ درانا أنكم مدرسون وما هي العلامات التي تحملون برهانا علي ذالك في جباهكم ؟ وبما أننا تعودنا علي الكلام وعم السكوت أجبناه نحن فعلا مدرسون ولدينا أدلة علي ذلك . فقال : هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين . فقررنا إخراج كشوف رواتبنا ليتعرف علينا من خلالها لكننا أثناء إخراجنا لها تذكر أحدنا أمرا آخر وعندها بدأنا نتردد في عدم إعطائها له .تذكرنا أنه قد ينظر فيها فيطلع علي تلك المبالغ الزهيدة التي لا تغني من جوع فقررنا أن نضع أيدينا علي كلمة صافي للدفع لكي لا يقرأها الرجل فيفقد الأمل في دولتنا فقررنا أن نخرجها جاعلين أصابعنا علي تلك الجملة فأعطيناه الكشوف فنظر إليها ثم ودعنا فقلنا له : ادعوا الله لنا لكي نحصل علي بطاقات تميزنا أو تشفع لنا عند الحاجة حتى لاتكون مجهولي الهوية . ليس المدرس فقط هو المجهول هوية, بل مصيره مجهول وغامض أيضا . و رغم أن المدرسون هم عماد الأمة وعمودها الفقري فهم يعانون من إقصاء لا يخفي علي من له قلب . إن ما نشاهده اليوم من تقدم للأمم في جميع المجالات لم تصل إليه اعتباطا وإنما وصلت إليه بسهر علي قطاعاتها الأساسية وخاصة التعليم فهي تحسنه كما وكيفا وتعمل ما في وسعها من أجل إسعاد القائمين عليه وجعلهم في أحسن ظروف ممكنة . إن المدرس بصيفة عامة سواء كان معلما أو أستاذا ليحس بالتهميش وعدم احترام الغير له فهم ينظرون إليه نظرة احتقار تجاهلا بالدور الذي لعبه ويلعبه وسيلعبه في المجتمع ألم يعلموا أنهم هم الذين تركوا ذويهم وعاشوا في الغربة من أجل تعليمهم وتعليم أبنائهم حتى أصبحوا على ماهم عليه من جاه وقصور مشيدة وسيارات فاخرة ومناصب عالية في الدولة حتى إذا ما وصلوا إلي ذالك كله بدؤوا يقللون من شأن هم ويلمزونهم ويحتقرونهم وتسمع العبارات التالية معلم مسكين أو أستاذ تعبان تري هل هذا هو جزاؤهم وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فالموظف العالي والإنسان العادي الذي كان بالأمس حبيس الطاولات في الأقسام هزيلا ضعيف الفهم يمر علي المدرس وحتى الأيام وسنوات تمر عليه ولم يتغير حاله مازال في بؤس وشقاء يكاد يعرف بمظهره الذي لم يجد ما يغيره به . فقد قيمته حتى الطلاب أنفسهم لم يعودوا يحترمونه فيتصارخون عليه في الطرقات . ضف إلي ذلك أن الأيام والليالي تجهله إذ تمر عليه دون أن يشعر لأنه فقد تلك الحاسة بسبب طول تفكيره في مصيره ومصير بلده واحفاده حيث أنه قد يمضي خمسة وثلاثين سنة في الخدمة ثم يصبح كيوم ولدته امه وشتان ما بين هذا وذاك فولادته الأولى جاء إلى الوجود وحده لا يحمل أي شيء سوى البراءة واسعاد من حوله أما مجيئه الأخير فهو قد خلف وراءه عبأ ثقيلا حيث الأولاد ومن يحيطون به بدون مأوى أوقوت مضمون فمتى سيتعير هذا الأمر ويصبح المدرس فى طليعة المجتمع محترما مكرما كما كان ؟ ومتى ستستيقظ الضمائر الميتة من سباتها العميق ؟ أما آن للمدرس أن يعرف من هو؟ أما آن له أن يعرف نفسه بنفسه وأن يرسم له طريقة مثلى وأن يكون موجها لاموجها ؟ إن المدرسون وإن لم يقبلها البعض هم عماد الأمة وقلبها النابض فقد آن الأوان أن يغير واقعهم المزري ويستأصل الداء الذي ينخر في مفاصلهم ويشفع بعلاج شاف حتى يعود المدرس كما كان شامخ الرأس مترفعا عن الذل والهوان هدفه الوحيد هو إسعاد الأجيال وتحصيل العلم متمثلا الأبيات المنسوبة للشافعي .

سهري لتنقيح العلوم ألذلي ****** من وصل غانية و طيب عنا ق

وصرير أقلام علي صفحاتها ****** أحلي من الدوكاء والعشاق

وألذ من نقرا لفتات لدفها ****** نقر لألقي الرمل عن أوراق

وتمايلي طربا لحل عويصة ****** أشهى من مدامة ساقي

وهكذا فإنه يلزم تحسين ظروف المدرس المزرية حتى يصل إلى قدر من الأريحية والسعادة حتى يتمكن من أداء مهمته وتحدى الصعاب التي تواجهه إذ لا يمكن تقدم ولازدهار دولة أو أمة لاتولي اهتماما كبيرا للتعليم ولا للقائمين عليه وفي الأخير فإنني أدعوا ذوي العقول النيرة والبصيرة النافذة أن يتأملوا واقع المدرس والتعليم في بلدنا فإنهم إذا فعلوا ذلك والله إنهم سيجيدون أنه يشهد أحلك أيامه وأنه يسير نحو الضعأشهى من مدامة ساقيف وعدم الفائدة وعندها ستكون عواقب وخيمة يحصدها فلذات الأكباد .

ذ/ محمد/باكيلي


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2012-02-27 02:07:53
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article635.html